فمنذ إمساك الثنائي عبد المجيد تبون والسعيد شنقريحة بزمام السلطة، تعاقب أكثر من عشرين مسؤولا على قمة أجهزة المخابرات والدرك والأمن الوطني، فيما استقر المقام بعشرات الجنرالات خلف قضبان سجن البليدة العسكري. جرد تفصيلي بالأسماء والتواريخ لواقع مضطرب تحول إلى نمط دائم في إدارة شؤون الحكم.
وقع آخر تعديل في هرم القيادة يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، حين أشرف السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش والوزير المنتدب لدى وزير الدفاع منذ نونبر 2024، على تنصيب اللواء علي صيدان قائدا لجهاز الدرك الوطني خلفا للواء سيد أحمد بورمانة، الذي لم يعمر في منصبه سوى عام ونصف.
وقبل ذلك بأيام معدودة، وتحديدا في 28 شتنبر، طالت مقصلة التغيير المديرية المركزية لأمن الجيش، ليعقبها في 5 أكتوبر تغيير قيادة الناحية العسكرية الأولى بالعاصمة الجزائر.
الدرك الوطني: خمس قيادات بين السجون والفرار
يختزل مسار قيادة الدرك الوطني الجزائري آليات التصفية وتدوير المناصب داخل المؤسسة. ففي غشت 2019، فر قائد الجهاز الأسبق اللواء الغالي بلقصير خارج الحدود، ليصدر في حقه حكم غيابي بالسجن النافذ لمدة عشرين عاما بتهمة «الخيانة العظمى».
وفي يوليوز 2020، أطيح بخلفه عبد الرحمن عرعار، لتبدأ ملاحقته قضائيا قبل إيداعه سجن البليدة خلال سنة 2023.
ولم يمكث نور الدين قواسمية في موقعه سوى عام واحد، إذ استدعي في يناير 2022 للتحقيق بمركز بن عكنون العسكري للتحريات.
وبحلول منتصف أبريل 2025، عزل شنقريحة اللواء يحيى علي والحاج، المعين في غشت 2021، ليقوده المسار ذاته إلى الزنزانة العسكرية.
كما جرى تعويض خليفته سيد أحمد بورمانة، المنصب في أبريل 2025، باللواء علي صيدان. وكان مناد نوبة، القائد الأسبق لأركان الدرك، قد دين سابقا في قضية شحنة 701 كيلوغرام من الكوكايين المحجوزة بميناء وهران عام 2018.
المخابرات الداخلية: ستة مديرين في ست سنوات
وعلى مستوى المديرية العامة للأمن الداخلي، سقط أول الرؤوس في أبريل 2020 بإقالة واسيني بوعزة، القابع حاليا بسجن البليدة.
تولى عبد الغني راشدي المهمة حتى يوليوز 2022، ليعقبه جمال كحال مجدوب، قبل استقدام عبد القادر حداد المعروف بلقب «ناصر الجن» في يوليوز 2024.
ولم يستمر «ناصر الجن» طويلا، إذ أقيل في 21 ماي 2025 واقتيد إلى سجن البليدة العسكري ليلحق بسابقيه.
وفي هذا السياق، حل مكانه عبد القادر آيت وعرابي، الملقب بـ «الجنرال حسان»، وهو ضابط قضى خمس سنوات سجنا إثر إدانته سنة 2015 قبل مغادرته البليدة عام 2020، بيد أنه لم يصمد سوى عام واحد، ليعزل في 18 ماي 2026 ويفسح المجال للواء منير زاهي.
الاستخبارات الخارجية: تعاقب محموم وسجون ممتلئة
وعاشت مديرية الوثائق والأمن الخارجي وتيرة إقالات أشد شراسة، بدأت بإعفاء العقيد كمال الدين الرميلي في أبريل 2020 ثم اعتقاله.
وتلاه اللواء محمد بوزيت، المدعو «يوسف»، الذي استمر حتى يناير 2021 قبل تجريده من مهامه وسجنه.
ثم شغل نور الدين مقري، المكنى «محفوظ»، المنصب حتى ماي 2022، ليمكث بعده جمال كحال مجدوب شهرين فقط، تلاه عبد الغني راشدي لفترة أقصر بين يوليوز وشتنبر 2022.
وفي شتنبر 2022، استلم اللواء جبار مهنا القيادة حتى إقالته في 19 شتنبر 2024، بعد اثني عشر يوما من إعادة انتخاب تبون، قبل إيداعه سجن البليدة في يونيو 2026 على خلفية ملف اختطاف المعارض «أمير ديزاد» فوق التراب الفرنسي في أبريل 2024.
وورد اسم خليفته رشدي فتحي موساوي شخصيا في تقارير الصحافة الفرنسية حول الملف ذاته.
جهاز أمن الجيش: خمسة مسؤولين منذ 2020
ولم تنج المديرية المركزية لأمن الجيش، المعنية بالتحريات العسكرية الداخلية، من دوامة التفكيك.
أدار سيد علي ولد الزميرلي هذا الجهاز من مارس 2020 إلى شتنبر 2022، قبل أن تطيح به شبهات التآمر إثر اعتقال شقيقه بتهمة الخيانة.
وعين عبد العزيز نويوات شويطر في 11 شتنبر 2022 ليقال بعد ستة أشهر فقط، في مارس 2023.
ثم تسلم محرز جريبي الدفة إلى غاية 13 دجنبر 2025، وخلفه إبراهيم عباس لمدة لم تتجاوز تسعة أشهر، قبل استبداله بنور الدين معاش في 28 شتنبر 2026.
ويقبع عدد من قادة هذا الجهاز السابقين في السجون العسكرية، يتقدمهم عثمان بن ميلود المعروف بـ «كمال كانيش».
تصدعات جهاز الشرطة وقيادة الأركان
وعلى صعيد المديرية العامة للأمن الوطني، أزيح خليفة أونيسي في مارس 2021 لفائدة فريد بن الشيخ، الذي أقيل بدوره في يناير 2024 وووضع تحت الإقامة الجبرية قبل أن تعتقله المخابرات العسكرية في أبريل 2024.
وجرى تنصيب علي بداوي مكانه في 8 يناير 2024، قبل أن تفيد المعطيات بإبعاده في ماي 2025.
وطالت التصدعات هرم أركان الجيش بإقالة اللواء محمد قايدي، رئيس دائرة الاستعمال والتحضير والرجل الثاني عمليا في القيادة، في نونبر 2021، ليودع الحبس المؤقت ثم يفرض عليه طوق الإقامة الجبرية.
كما أبعد اللواء عمار عثامنية عن قيادة القوات البرية في 20 نونبر 2024، ليعوضه مصطفى سماعيلي بعد يومين فقط من دخول شنقريحة التشكيلة الحكومية.
وتلا ذلك إحالة الفريق أول بن علي بن علي، أقدم ضباط المؤسسة العسكرية، على التقاعد الإجباري في يناير 2025، ثم تنحية قائد قوات الدفاع الجوي عن الإقليم اللواء محمود لعرابة في 23 فبراير 2025.
الخوف أسلوبا لإدارة المؤسسة العسكرية
تتجاوز هذه الحصيلة مجرد الجرد الرقمي لتكشف واقع جيش يعيش على وقع انعدام الأمان، حيث أضحى الخروج الطبيعي عبر التقاعد استثناء نادرا.
ويدرك كل مسؤول أمني اليوم أن سابقيه يتوزعون بين السجون ومنافي الهروب والإقامة الجبرية، وأن مدة ولايته قد لا تتعدى بضعة أشهر.
ويترقب كل ضابط سقوطه عند أول إشاعة، أو عقب تقرير ترفعه جهة أمنية منافسة، أو لمجرد تقلب في مزاج دوائر القرار العليا.
وفي ظل هذا المناخ المتوجس، تراجعت الكفاءة لصالح إظهار الولاء المطلق، وتحول كبار الضباط من خدمة الدولة إلى حماية أنفسهم من بطش منظومتها.
وبات القادة يتحاشون المبادرة ويتسترون على الوقائع المقلقة، في مقابل بناء شبكات حماية متبادلة وتجميع ملفات ضد الخصوم.
وتلاشت المسافة الفاصلة بين كرسي القيادة وزنزانة السجن، بعدما عين مسؤولون استخباراتيون فور خروجهم من المعتقل، فيما غادر آخرون مكاتبهم مباشرة نحو غياهب الحبس.
شلل يضرب منظومة القرار
تنعكس هذه الفوضى مباشرة على أداء المؤسسة، فالأجهزة الاستخباراتية التي تبدل قادتها كل عشرة أشهر تعجز بنيويا عن تدبير الملفات الاستراتيجية طويلة الأمد، أو نسج علاقات ثقة مستقرة مع نظرائها عبر العالم.
وينطلق كل مسؤول جديد في عمله بإبعاد المحسوبين على سلفه، وإعادة هيكلة الإدارات، وفتح الملفات القديمة من جديد، مما يؤدي إلى طمس الذاكرة المؤسساتية مع كل تسليم وتسلم للمهام.
وتتوالى الأخطاء الميدانية الفادحة تباعا، من قيادي استخباراتي ينتقل في غضون أسابيع من مكتبه إلى السجن، إلى ضباط يدانون بمحاولة السطو على الملف الطبي لرئيس الجمهورية، وصولا إلى عملية اختطاف معارض فوق الأراضي الفرنسية تفجرت على إثرها أزمة دبلوماسية معقدة.
وتكشف هذه الوقائع خللا عميقا في بنية جهاز تفرغت مكوناته للتجسس المتبادل وتصفية الحسابات الداخلية عوض رصد التهديدات الحقيقية وحماية الأمن القومي.
تهديد للأمن الداخلي واستقرار الجوار
ترتبط هذه الاضطرابات في جوهرها بصراع الأجنحة المحتدم بين قصر المرادية ومقر أركان الجيش، حيث تعكس كل ترقية ميزان قوة آني، ويمثل كل قرار عزل رسالة ضغط موجهة إلى الطرف المقابل.
ولا تهدف هذه التصفيات المتلاحقة إلى تطهير المؤسسة أو تطويرها، بل تقتصر على تحييد الخصوم المحتملين وتمكين الموالين في انتظار جولة مقبلة من الصراع.
ويغدو الجيش المحكوم بهاجس الخوف مؤسسة يصعب توقع مساراتها وسلوكياتها، وأكثر ميلا للهروب نحو اختلاق أعداء خارجيين لترميم تصدعات داخلية صنعتها بيديها، مما يفتح الباب واسعا أمام القرارات المرتجلة والمغامرات غير المحسوبة.
ويشكل هذا الارتباك مبعث قلق عميق لبلد يمتلك أضخم موازنة عسكرية في القارة الإفريقية ويجاور فضاء ساحليا مشتعلا بالأزمات.
وهكذا، يباشر اللواء علي صيدان مهامه الجديدة على رأس جهاز الدرك، وهو يعلم جيدا المصير القاتم الذي انتهى إليه جميع من جلسوا قبله على ذلك الكرسي.
