وخلال أسبوع ونصف فقط، أجرى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ثلاث تغييرات طالت على التوالي المخابرات العسكرية، والناحية العسكرية الأولى، وقيادة أركان الدرك الوطني.
فبعد إقالة مدير المديرية المركزية لأمن الجيش (DCSA) واستبداله في 28 شتنبر، تلاها في 5 أكتوبر الجاري تعديل على رأس الناحية العسكرية الأولى (البليدة/الجزائر العاصمة)، جاءت إقالة أخرى لتمس القيادة العليا للدرك الوطني، وهو جهاز أمني يضم في صفوفه أكثر من 140 ألف عنصر.
وبتنصيبه في 8 أكتوبر، يصبح اللواء علي سيدان القائد الخامس للدرك منذ وصول تبون إلى قصر المرادية. ففي يوليوز 2020، كان تبون قد أقال اللواء عبد الرحمن عرعار، الذي عين في غشت 2019 إثر فرار سلفه اللواء غالي بلقصير إلى الخارج برفقة عائلته وثروة طائلة، وهو المدير الأسبق لهذا السلك التابع لوزارة الدفاع.
أحيل اللواء عرعار إلى التقاعد عام 2021، ثم قدم للمحاكمة وسجن عام 2023 في السجن العسكري بالبليدة. أما سلفه، الصادرة بحقه مذكرة توقيف دولية، فقد حكم عليه غيابيا بالسجن لمدة 20 عاما بتهمة «الخيانة العظمى».
أما اللواء نور الدين قواسمية، الذي تولى قيادة الدرك الجزائري في غشت 2021 خلفا للواء عرعار، فقد أقيل بعد عام واحد، قبل أن يستدعى في يناير 2022 إلى مركز التحقيقات العسكري الرئيسي (CPMI) في بن عكنون، وهو المركز الذي يشكل محطة تسبق الإيداع بسجن البليدة العسكري. وقضى خليفته، اللواء يحيى علي أولحاج، أربع سنوات على رأس قيادة الدرك قبل أن يطيح به السعيد شنقريحة، رغم تقديمه سابقا كأحد رجالاته المقربين.
وفي عام 2025، أخرج من زنزانته فقط لحضور مراسم تسليم المهام لخلفه اللواء سيد أحمد بورمانة. واليوم، يتجدد السؤال حول المصير الذي ينتظر الأخير بعد الإطاحة به في 8 أكتوبر، لا سيما أن قادة أركان الدرك الثلاثة الذين تعاقبوا في عهد تبون يقبعون جميعا في السجن.
ويكتسي هذا التساؤل مشروعية بالغة في ظل تحول الاضطراب في مختلف مفاصل القيادة العسكرية الجزائرية إلى قاعدة ثابتة، تدار عبر نسق متكرر يضحى فيه بكبار ضباط الجيش دوريا لضمان بقاء الثنائي تبون وشنقريحة في الواجهة.
ووفقا لهذا المسار، يوقع تبون مرسوم الإقالة، بينما يشرف شنقريحة على التنصيب ثم يزج في السجن أو يفرض الإقامة الجبرية على كل من يرى فيه خطرا محتملا على موقعه ونفوذه. ويتكرر هذا الدوران الوظيفي بمعدل ثلاث إلى أربع إقالات سنويا.
ونتيجة لذلك، يقبع اليوم أكثر من ثلاثين لواء وجنرالا ممن شغلوا مناصب قيادية عليا خلف القضبان، استقر معظمهم هناك منذ صعود هذا الثنائي إلى سدة الحكم.
وقبل عشرة أيام فقط، وتحديدا في 28 شتنبر الماضي، أضحى اللواء نور الدين معاش سادس مسؤول يقود المديرية المركزية لأمن الجيش في عهد تبون، خلفا للواء إبراهيم عباس الذي أبعد بعد تسعة أشهر فقط من تعيينه في دجنبر 2025.
وقبل ذلك، في ماي 2026، لم يقض عبد القادر آيت وعرابي (المعروف بالجنرال حسان) سوى أقل من عام، وهي مدة تزيد قليلا عما أمضاه سلفه اللواء عبد القادر حداد (المدعو ناصر الجن)، الذي تولى رئاسة المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) لعشرة أشهر فقط.
وتكشف هذه التغييرات، قياسا على أحدثها فقط، كيف بلغت المؤسسة العسكرية في عهد تبون وشنقريحة مستويات قياسية في عدم الاستقرار؛ إذ شهدت مديريات الاستخبارات الثلاث (الأمن الداخلي، والأمن الخارجي، وأمن الجيش) إلى جانب قيادة الدرك، ما يزيد عن عشرين تغييرا بين عامي 2020 و2026.
وعلى سبيل المقارنة، لم يشهد عهدا أول رئيسين للجزائر المستقلة، أحمد بن بلة وهواري بومدين (من 1962 إلى 1979)، سوى مسؤول واحد تولى قيادة الأمن العسكري (النسخة السابقة للمديرية الحالية لأمن الجيش)، وهو قاصدي مرباح.
وخلال فترة حكم عبد العزيز بوتفليقة التي امتدت لعشرين عاما (1999-2019)، ظلت مديرية أمن الجيش لأكثر من 15 عاما (2000 إلى 2015) تحت قيادة مسؤول واحد. وتكرر الأمر نفسه مع جهاز الدرك الجزائري الذي قاده العقيد أحمد بن شريف لمدة 15 عاما (من 1962 إلى 1977)، بينما ظل اللواء أحمد بوسطيلة في عهد بوتفليقة قائدا للدرك من عام 2000 حتى عام 2015.
وإن كانت حملات الإبعاد الواسعة قد هزت الجيش الجزائري بين عامي 2015 و2019، فإن ذلك ارتبط من جهة بحل دائرة الاستعلام والأمن (DRS) النافذة، ومن جهة أخرى بملف شحنة الـ701 كيلوغرام من الكوكايين التي ضبطت في ماي 2018 بميناء وهران.
ويقضي اللواء عبد الغني هامل، المدير الأسبق للأمن الوطني، واللواء مناد نوبة، القائد الأسبق للدرك الوطني، عقوبات سالبة للحرية تتراوح بين 15 و20 عاما إثر إدانتهما في تلك القضية، وهي أحكام جرى تثبيتها في الاستئناف خلال عهد تبون. وقد كادت تلك القضية أن تعصف بتبون نفسه، بعد سجن نجله خالد على خلفيتها، قبل أن يخلى سبيله بعد أسابيع قليلة فقط من وصول والده إلى سدة الرئاسة.
