اعتقال 61 مغربيا في الجزائر: النظام لا يحارب «المخزن» بل يستهدف المغاربة

الأشخاص الذين عرضهم التلفزيون الجزائري بعد الإعلان عن اعتقال 61 مواطنا مغربيا، متهمين بـ«التخطيط لأعمال تخريبية»

في 12/10/2026 على الساعة 09:54

«شبكة إجرامية دولية مغربية»، و61 مشتبها فيه، وعسكري سابق، و«أعمال تخريبية» مجهولة المعالم؛ هكذا، وقبل ثلاثة أسابيع فقط من صدور قرار مجلس الأمن الدولي المرتقب المعاكس لطروحاتها، افتعلت الجزائر قضية تجسس مدوية في الشكل وخاوية في الجوهر، لتصوب بوصلة العداء مجددا نحو جنسية وشعب بأكمله.

وفي هذا السياق، لم يتجاوز بيان المديرية العامة للأمن الوطني الجزائري، الصادر يوم الأحد 11 أكتوبر، بضعة أسطر زعم فيها أن 61 مواطنا مغربيا جرى توقيفهم في وهران مطلع أكتوبر، «كانوا يستعدون لارتكاب أعمال تخريبية تمس بالأمن والنظام العام». وادعى الجهاز الأمني أن الشبكة «بالغة الخطورة»، زاعما أن عناصرها استقلوا الطائرة نحو تونس، ثم اجتازوا الحدود عبر المسالك الجبلية وغابات القالة، قبل أن يقطعوا التراب الجزائري وصولا إلى وهران في أقصى الغرب.

غير أن صياغة البلاغ التزمت صمتا مريبا حيال التفاصيل الجوهرية: ما هي هذه الأعمال التخريبية؟ وما أهدافها؟ وبأي وسائل كانت ستنفذ؟ واكتفت الرواية الرسمية بعرض جوازات سفر مغربية ومبالغ مالية بالدرهم والأورو بوصفها أدلة إدانة، وهي موجودات اعتيادية يحملها أي مسافر مغربي في جيبه. وحتى وكالة الأنباء الفرنسية، المعروفة بصرامتها وبعدها عن أي انحياز للرباط، سجلت بنبرة واضحة أن الأمن الجزائري «لم يقدم أي تفاصيل بشأن المخططات المزعومة».

ويطرح هذا السيناريو تساؤلات حارقة حول منطقه الأمني؛ إذ كيف يتحرك واحد وستون مخربا في وفد جماعي، بهوياتهم الرسمية وجوازات سفرهم في جيوبهم، قاطعين الجزائر من شرقها إلى غربها ليقعوا في قبضة الأمن مجتمعين؟ المؤكد أن أجهزة الاستخبارات لا تدبر عملياتها بهذه السذاجة المفضوحة، لكن هذه الفبركة تكفي تماما لصناعة عنوان إعلامي مثير.

العدو الحقيقي: المغاربة

دأب النظام الجزائري على ترديد مقولته الممجوجة بأن خلافه ينحصر مع «المخزن» ولا يستهدف الشعب المغربي، بيد أن الوقائع تثبت العكس تماما. فالجزائر هي التي أعادت فرض التأشيرة على المغاربة سنة 2024، وخفر سواحلها هو من فتح النار بدم بارد على شبان مغاربة قبالة السعيدية عام 2023، وصحافتها الموجهة هي التي تنعت المغاربة يوميا بالجواسيس والمهربين والعملاء.

وفور نشر البيان، اتضحت النوايا المبيتة، حيث سارعت صحيفة «ألجيري باتريوتيك»، التابعة لورثة مجرم الحرب المدان بجرائم ضد الإنسانية الراحل خالد نزار، إلى التساؤل علنا عن «طرد جميع المغاربة المقيمين بطريقة غير شرعية في الجزائر»، مروجة لـ«حملة طرد جماعي وممنهج».

وتستحضر الذاكرة المغربية هنا مأساة دجنبر 1975، حين أقدم نظام هواري بومدين تعسفا على ترحيل عشرات الآلاف من الأسر المغربية بين عشية وضحاها، وتجريدها من ممتلكاتها وتشتيت شملها، في سلوك انتقامي يثبت اليوم أن النزعة العدائية للنظام ما تزال متأصلة بعد مرور نصف قرن.

هاجس أواخر أكتوبر

لا ينفصل توقيت هذا الملف المفبرك عن الصدفة الدبلوماسية؛ فمجلس الأمن يستعد لاعتماد قرار جديد بشأن الصحراء أواخر أكتوبر الجاري، بعد عام على القرار 2797 الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي كقاعدة للمفاوضات.

ويأتي هذا التحرك بعد أيام قليلة من إقرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأن بلاده لن تكون «صحراوية أكثر من الصحراويين»، وفي أعقاب حسرة وزير خارجيته أحمد عطاف على تحول القضية إلى «مجرد مسألة لاجئين».

وأمام العجز عن كبح المسار الأممي في نيويورك، تلجأ الجزائر إلى الورقة الداخلية وافتعال تهديدات وهمية؛ وهي الوصفة المعتادة لكل نظام مأزوم يبحث عن شماعة خارجية حين تفلس أدواته الدبلوماسية.

ويبرز هنا تباين صارخ في المشهد؛ ففي التاسع من أكتوبر، ألقى الملك محمد السادس خطابا أمام البرلمان تمحور حول أوراش الإصلاح، والشباب، والجهوية المتقدمة، وبناء شراكات نوعية، في رسالة قائد دولة ينظر إلى المستقبل ورهانات التنمية. وبالمقابل، خرجت الجزائر بعد يومين فقط ببيان أمني متهافت؛ وكل طرف يعكس أولوياته ومستواه.

ملف مفتوح على المتابعة الحقوقية

يقبع اليوم واحد وستون مواطنا في المعتقلات الجزائرية استنادا إلى مزاعم واهية لا يدعمها أي إثبات حتى اللحظة. ويفرض القانون الدولي تمكين هؤلاء المحتجزين من حق الدفاع، ومحاكمة عادلة، وحماية قنصلية كاملة من بلدهم، وهي حقوق أصيلة غير قابلة للتفاوض مهما بلغت درجة التوتر الدبلوماسي بين الرباط والجزائر.

وبات لزاما على الآليات الأممية لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي وكبريات المنظمات الدولية، التدخل العاجل لمساءلة السلطات الجزائرية وتحمل مسؤولياتها القانونية.

لقد أراد النظام الجزائري نسج خيوط شبكة تخريب وهمية، لكنه لم ينجح إلا في تأكيد حقيقة واحدة: عداؤه المستحكم وعقدته المرضية المزمنة تجاه كل ما هو مغربي.

تحرير من طرف وديع المودن
في 12/10/2026 على الساعة 09:54