وجاء النطق بالحكم يوم الخميس 15 أكتوبر، بعد متابعة سلامة بتهمتي «نشر أخبار زائفة» من شأنها المساس بالنظام العام و«عرقلة الاستثمار». وكان المعني بالأمر قد اعتقل في 24 يناير 2026، ليمضي قرابة تسعة أشهر رهن الاعتقال الاحتياطي قبل اقتياده إلى قفص الاتهام.
تتلخص التهم الموجهة إليه في دقائق معدودة من البث التلفزيوني؛ إذ تساءل، خلال استضافته ضمن برنامج اقتصادي على قناة خاصة في يناير، حول جودة الخام وكلفة الاستخراج والنقل، فضلا عن النجاعة المالية لمشروع رُوّج له كدرة تاج «الجزائر الجديدة».
وصاغ خلاصته بحذر علمي مؤكدا أن المردودية «غير مضمونة»، وهي الشكوك المهنية الرصينة التي قادته مباشرة إلى غياهب السجن.
شكوك عمرها سبعون عاما
لم تكن تلك الملاحظات وليدة نزوة عابرة، بل تعود إلى تاريخ اكتشاف المنجم نفسه سنة 1952 على يد الجيولوجي الفرنسي بيير جيفان. يحتوي الموقع على احتياطي ضخم يقدر بمليارات الأطنان، غير أن بقاءه دون استغلال طيلة سبعة عقود لم ينتج عن غياب الرغبة، بل بسبب تركيز الفوسفور العالي في الخام، ما يفرض معالجة كيميائية معقدة ومكلفة قبل توجيهه للصناعات التعدينية.
وظلت المختبرات الجزائرية حتى حدود عام 2015 تبحث عن حلول تقنية ناجعة، قبل توقيع بروتوكول أولي لدراسات الجدوى مع شركة «سينوستيل» الصينية سنة 2017.
تنضاف إلى هذا العائق إكراهات تقنية ولوجستية يعرفها مهندسو المعادن بدقة، فالمنجم يقبع في قلب الصحراء قرب تندوف، على بعد 950 كيلومترا من بشار عبر السكة الحديدية، ومسافات أبعد بكثير عن موانئ ومصانع الشمال.
وتتطلب المعالجة كميات هائلة من المياه والطاقة، وهما موردان نادران في المنطقة، في حين تثقل كلفة النقل سعر التكلفة النهائي وتنسف القدرة التنافسية أمام عمالقة الحديد في أستراليا والبرازيل.
إن إثارة هذه المعطيات لا تندرج ضمن بث الإشاعات، بل تضع اليد على صلب نقاش تقني فتحه الجيولوجيون والاقتصاديون منذ عقود، غير أن السلطة اختارت منطق التعتيم والزنازين.
أرقام رسمية تفضح الكلفة
يكتسي منطق الإدانة عبثية أشد بالنظر إلى سياقها الزمني؛ فقبل النطق بالحكم بثلاثة أيام، قدم وزير المالية أمام نواب البرلمان مشروع قانون المالية لسنة 2027 في 12 أكتوبر.
وتفيد الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارته بأن تكلفة منجم غار جبيلات استنزفت 963 مليار دينار، أي ما يناهز 7,35 مليارات دولار، مع استمرار رفع شعارات إنتاجية استعراضية تراهن على بلوغ 40 إلى 50 مليون طن سنويا واسترداد الاستثمارات نهاية العقد.
وفي حين تفرض هذه الموازين المالية الضخمة نقاشا عموميا مفتوحا في سائر الدول، تفضل السلطات فرض الصمت الإجباري.
حفرة وسط الفيافي
في الفاتح من فبراير 2026، دشن عبد المجيد تبون والجنرال سعيد شنقريحة وسط هالة دعائية الخط السككي غار جبيلات–تندوف–بشار، معلنين الانطلاق الرسمي للاستغلال. هتف الرئيس حينها: «إنه استيقاظ العملاق»، بينما بثت الشاشات الرسمية صورا لقطار يحمل قطعا معدنية فوق... عربات مخصصة أصلا لنقل الحبوب.
وبعد مرور أربعة أشهر، خاض الدراج والمؤثر القطري خالد الجابر رحلة على متن دراجته النارية بين 29 ماي و5 يونيو عبر محور وهران–بشار–تندوف وصولا إلى غار جبيلات، في جولة كان يراد لها تلميع صورة المشروع.
تحولت الجولة الدعائية إلى فضيحة موثقة؛ إذ كشفت مقاطعه المصورة عن فوهة هائلة وسط الفراغ دون منشآت تعدينية، ودون آليات شحن، أو مخيمات للعمال. مجرد حفرة جرداء محاطة بأعمدة وسلاسل حديدية.
وعلى امتداد خط السكة الحديدية البالغ 950 كيلومترا، اختفت أخبار القطار تماما، وغابت المشاهد الترويجية لـ«مشروع القرن» عن القنوات الرسمية، كما تلاشت شهادات الركاب المفترضين للمسار، وكأن الأمر تحول فجأة إلى سر دفاعي محاط بالغموض رغم كونه مجرد قطار لنقل المسافرين.
ما صاغه جلول سلامة في شكل فرضيات علمية، فضحه رحالة أجنبي في مقطع مصور لم يتجاوز ثواني معدودة؛ فاستقر الأول خلف القضبان، فيما عجزت السلطات عن ملاحقة الثاني.
وبهذا الاعتقال التعسفي، يقدم النظام أسوأ خدمة لمشروعه المزعوم؛ فالمنجم الناجح لا يحتاج إلى سجن المشككين في قدراته لإثبات جدواه، بل يكفيه الشروع في الإنتاج وضخ الشحنات. أما في غار جبيلات، فلا يزال الجميع في انتظار خروج الحديد، بينما يقبع الخبير وراء القضبان.
