الجيش الجزائري يقدم: «أمير ديزاد.. الرجل الذي أحرق الغابات عبر واتساب»

Amir Boukhors, alias Amir DZ, un des plus célèbres influenceurs algériens.

اليوتيوبر أمير بوخرص، الشهير بـ"أمير ديزاد". DR

في 19/10/2026 على الساعة 10:47

أنتجت وزارة الدفاع الجزائرية شريطا وثائقيا مدته 22 دقيقة، نكتشف فيه أن «يوتيوبر» مقيما في فرنسا أحرق شرق البلاد من على أريكته، عبر تسجيلات صوتية لا تتجاوز مدتها أربع ثوان! وفي القائمة أيضا: زواج أبيض، وشقة في عنابة، وحزب شيوعي. مرحبا بكم في «بلاد العالم المقلوب».

كنا نظن أننا رأينا كل فصول الإبداع لدى نظام الجزائر، لكننا كنا مخطئين. ففي يوم السبت 17 أكتوبر، بث التلفزيون العمومي « تحقيقا » مدته 22 دقيقة بعنوان: «كشف خيوط مؤامرة الخيانة... وتفاصيل العمالة». والمفارقة أن الجهة المنتجة ليست قناة خاصة تلهث وراء نسب المشاهدة، ولا صانع محتوى يبحث عن التفاعلات، بل هي وزارة الدفاع الوطني بالذات. المؤسسة التي تبتلع الحصة الأكبر من ميزانية الدولة، والمكلفة بحراسة الحدود، اكتشفت فجأة في نفسها موهبة استوديوهات السينما؛ فإذا كانت هوليوود تتباهى بأفلام الـ« بلوك باستر » (Blockbusters)، فإن الجزائر باتت تمتلك أفلام الـ« بلوك حارق« ! (Blockbrûleurs).

وتتلخص فرضية الوثائقي في سطر واحد: الحرائق التي اجتاحت عدة ولايات في أواخر شهر غشت وخلّفت ما لا يقل عن 400 قتيل، لم تكن—كما يُقال لنا—عرضية، ولا مناخية، ولا ناجمة عن أي عجز في الإمكانيات، بل صدرت الأوامر بإشعالها من فرنسا عبر أمير بوخرص، الشهير بـ« أمير ديزاد« ، اليوتيوبر المعارض المعروف الذي لم تطأ قدماه أرض الجزائر منذ أكثر من عقد. وفي نهاية غشت، كان تبون قد شخّص الكارثة بوجود «أيد إجرامية»، وكان لا بد من العثور على صاحب هذه اليد، فتولت المؤسسة العسكرية المهمة.

وسلاح الجريمة؟ رسائل صوتية. يعرض الوثائقي بعضا منها، منسوبة إلى «أمير ديزاد»، تتراوح مدتها بين أربع وخمس ثوان؛ وهو الوقت الكافي، في نظر استراتيجيي وزارة الدفاع الوطني، لإعطاء الأمر بإحراق غابات بأكملها في قالمة وقسنطينة! حروب الجيل الرابع باتت تُختزل في رسالة أقصر من جملة «ألو، هل تسمعني؟». لا محادثات مطولة، ولا مراسلات كتابية قابلة للتحقق، ولا أي أثر مالي أو تحويلات بنكية.

وقد أشار الصحفي المنفي عبدو سمار، الذي فكك تفاصيل الفيلم، إلى أن النبرة الصوتية تحمل لكنة الشرق الجزائري، في حين أن المعني بالأمر، الذي عاش في وهران، يتحدث بلكنة الغرب، مرجحا أن تكون التسجيلات مفبركة بواسطة الذكاء الاصطناعي. ومن جانبه، نفى «أمير ديزاد» معرفته بالمتهمين، وتحدى السلطات أن تكشف عن أي محادثات حقيقية تجمعهم، ولا يزال التحدي قائما.

أما «طاقم التمثيل» فيستحق وقفة تأمل؛ إذ إن «الاعترافات» لم تصدر عن عاطلين عن العمل، بل عن كوادر يتقاضون رواتب من مؤسسات عمومية. لا أحد يعلم من اعتقلهم، ولا إن كانوا قد حوكموا، ولا حتى أين يُحتجزون حاليا؛ أما حقوق الدفاع فيمكن تأجيلها إلى إشعار آخر، فالمهم أن نسب المشاهدة تسير على ما يرام! أحدهم، الذي قُدم على أنه من مشعلي الحرائق، قيل إنه التحق بعد ذلك بقافلة تضامنية لمساعدة منكوبي جيجل لـ«خلط الأوراق وتضليل المحققين». مشعل حرائق يوزع الأغطية على ضحاياه: فكرة حبكة مبتذلة يرفضها حتى أضعف كتاب السيناريو! وآخر يعمل حلاقا قيل إنه « المصرفي » والممول للشبكة، ويمتلك عشر شقق وقطعتي أرض وخمسة صالونات حلاقة في ضواحي باريس؛ وهكذا، باتت الجريمة المنظمة الجزائرية تمر عبر مقص الحلاقة وتدرجاته!

نأتي بعد ذلك إلى الدوافع: فقد جرى إغراء المجندين المزعومين بوعود الحصول على تأشيرة لفرنسا وزواج أبيض (صوري). وبذلك، فإن « أمير ديزاد »، الذي يعارض النظام نهارا، يدير وكالة تزويج ليلا! لكن « العقد » لم يُنفذ، ولم يسافر « مشعل الحرائق » أبدا. ومع ذلك، يدّعي هذا الأخير أنه وُضع على اتصال مع مسؤول رفيع في وزارة الداخلية الفرنسية، وأن هذا المسؤول السامي تحدث معه باللغة الإنجليزية لغياب لغة فرنسية مشتركة بينهما! يبدو إذن أن وزارة الداخلية الفرنسية باتت تجند عملاءها بالنسخة الأصلية المترجمة! وقد كلفه المسؤول المزعوم بتأسيس حزب شيوعي لزعزعة استقرار الجزائر، مقابل شقة في عنابة، وسيارة، وتكفل كامل بمصاريفه في فرنسا.

حزب شيوعي! في عام 2026! وفي بلد حملت فيه الهزات والاضطرابات الأخيرة وجوها بعيدة تماما عن وجه كارل ماركس. لك أن تتخيل مقر وزارة الداخلية الفرنسية، بين معالجة ملفي ترحيل، وهو يتفرغ لمطاردة اللينينيين في قالمة ومكافأتهم بشقة من غرفتين في عنابة.. إنها « الثورة البلشفية الكبرى »، ولكن بنسخة وكالة عقارية!

الصحافة الموجهة بدورها اصطفت في وضعية « استعداد ». فبمجرد بث الإعلان الترويجي في 14 أكتوبر، تسابقت العناوين وانتظمت في طابور يشبه استعراضات الخامس من يوليوز. نعت بعضها « أمير ديزاد » بـ«مرتزق المخزن»، وتحدثت عن «حرب غير تقليدية» تُدار من الرباط. ورغم أن المغرب لم يُذكر في أي مكان من المقاطع التي بثتها الوزارة، فلا يهم؛ ففي الافتتاحيات الجزائرية، ليس المغرب موضوعا للنقاش، بل علامة ترقيم توضع في آخر الجملة كنقطة ختام.

اختيار الهدف ليس وليد الصدفة بأي حال؛ فـ« أمير ديزاد » هو نفس الشخص الذي اختطفته واحتجزته فرقة كوماندوز في ضواحي باريس في أبريل 2024، وهو الملف الذي وجّه فيه القضاء الفرنسي اتهامات لعدة أشخاص، من بينهم موظف قنصلي جزائري، وأصدر مذكرة توقيف بحق مسؤول جزائري. وقد أدرجته الجزائر على قائمتها لـ«الإرهابيين» دون أن تنجح في استرداده. وحين عجزوا عن اختطافه، وجهوا له التهم؛ وحين عجزوا عن محاكمته، صوّروه في فيلم. لقد استبدل النظام ببساطة شاحنة الخطف بكاميرا التصوير.

وهذا الأسلوب، في واقع الأمر، ليس جديدا؛ ففي غشت 2021، وعقب حرائق منطقة القبائل، وجهت السلطة أصابع الاتهام إلى حركة « الماك » وإلى المغرب، قبل أن تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع الرباط. وتلاشت الأسئلة المحرجة مع تصاعد الدخان: نقص الوسائل الجوية، غابات مهملة، ودولة تفتقر للاستعداد. وهذه المرة أيضا، بدا أن الحصيلة البشرية الثقيلة وإخفاقات الدفاع المدني لا تزن شيئا أمام تسجيل صوتي مدته أربع ثوان؛ إذ يبقى إنتاج شريط وثائقي أسهل بكثير من شراء طائرات إخماد الحرائق (كنادير)، وفوق ذلك، أقل تكلفة بلا شك.

يختتم الفيلم حديثه عن «الحرب الناعمة» التي يقال إن الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي و«خونة الداخل» يشنونها ضد الجزائر. ولعلها الجملة الوحيدة الصادقة في هذا الشريط؛ فالذكاء الاصطناعي يُستخدم بالفعل ضد الجزائريين، ويبقى السؤال فقط: في أي مكاتب يُدار؟

في عام 2021 كان المتهم هو المغرب، وفي عام 2026 أصبح « يوتيوبر ». لا يزال الجيش الجزائري يبحث دوما عن مشعلي الحرائق، ولا يبحث أبدا عن طائرات « الكنادير ». إن الجيش الجزائري لم يُخمد النيران.. بل أشعل الكاميرا!

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 19/10/2026 على الساعة 10:47