إحراق مقرات البلديات في فرنسا: صحيفة موالية للنظام الجزائري تصف أعمال التخريب بأنها «انتقام»

ألسنة اللهب تلتهم مبنى بلدية ليموج، يوم 17 أكتوبر 2026. AFP or licensors

في 20/10/2026 على الساعة 12:02

وضع موقع رقمي أسسه نجل الجنرال الراحل خالد نزار أعمال الشغب التي شهدتها فرنسا يوم 17 أكتوبر في خانة الرد الانتقامي لشباب من أصول جزائرية، معتبرا إياها ردا على حرائق غابات جيجل التي زعم أنها دبرت من باريس. ولا تبتعد هذه الواقعة عن مسار اعتادت فيه الجزائر استغلال التوترات الحضرية داخل المدن الفرنسية، على غرار ما جرى في صيف 2023 حين تحركت الدبلوماسية الجزائرية ببيان رسمي عقب مقتل الفتى نائل.

وخرجت صحيفة «ألجيري باتريوتيك» بمقال رئيسي صباح 20 أكتوبر تحت عنوان «حرائق جيجل الإجرامية المدبرة من باريس: انتقام الشباب الفرنسي الجزائري».

واعتبر كاتب المقال أن أحداث العنف في المدن الفرنسية لم تكن مجرد انفلات أمني عابر، بل صنفها ضمن ما سماه «عملية ردع وانتقام»، مدعيا أن فئة من أبناء الجالية استهدفت مقرات الدولة الفرنسية بهدف تدفيع باريس ثمن الأزمات التي تعيشها الجزائر.

ويستند هذا التبرير إلى رواية رسمية بثها وثائقي صادر عن وزارة الدفاع الجزائرية في 17 أكتوبر، يزعم أن حرائق غابات الشرق الجزائري في أواخر غشت نظمت بتوجيهات من باريس وبتنسيق بين معارضين في المهجر، بينهم الناشط أمير دي زاد، وجهات تابعة لوزارة الداخلية الفرنسية.

وبناء على تلك المزاعم، بررت الجريدة استهداف البلديات الفرنسية وتخريبها باعتباره تطبيقا لما أطلقت عليه «شريعة المعاملة بالمثل»، وهو طرح يرقى في المعايير القانونية إلى خانة الإشادة بالأعمال الإرهابية.

ويعكس هذا الخطاب الإعلامي ازدواجية واضحة؛ إذ يحاول أولا تلميع المتورطين في التخريب وتقديمهم كمنتقمين، بينما يضع ثانيا أبناء الجالية والمواطنين من مزدوجي الجنسية في مواجهة مباشرة مع الشارع الفرنسي، ملصقا بهم أعمال عنف دون سند تحقيقي. وبذلك يقدم المنبر، دون اكتراث، الحجة ذاتها التي توظفها أطراف في اليمين الفرنسي المتطرف لاستهداف المهاجرين.

وتكشف خلفية المنصة الإعلامية طبيعة هذه الرسائل؛ إذ تأسست بإشراف من لطفي نزار، نجل وزير الدفاع الأسبق خالد نزار الذي مثل أحد أبرز وجوه فترة التسعينيات.

وكان القضاء السويسري قد أحال نزار الأب في غشت 2023 إلى المحاكمة بتهم ثقيلة تتعلق بجرائم حرب وانتهاكات واسعة للقانون الدولي الإنساني شملت ملاحقة مدنيين بين عامي 1992 و1994، قبل أن يسدل الستار على المتابعة بوفاته في 29 دجنبر 2023. وظلت المنصة منذ ذلك الحين وفية للخط الأمني الحاكم، ومرآة تعكس توجيهاته المباشرة.

ولا يعد هذا التدخل الأول من نوعه في الشؤون الفرنسية الداخلية؛ ففي 29 يونيو 2023، أصدرت وزارة الخارجية الجزائرية بيانا أبدت فيه استغرابها لظروف مقتل الشاب نائل بمدينة نانتير، مشددة على انتمائه المزدوج ومطالبة باريس بتأمين الحماية الكاملة للجالية. وبدت الجزائر، التي ترفض أي تعليق خارجي يخص شأنها الداخلي، وكأنها تفرض وصايتها على تدبير الأمن الداخلي الفرنسي في أوج الاضطرابات.

وتحولت هذه المواقف بعد ذلك إلى نشاط رقمي حثيث عبر مقاطع مصورة على شبكات التواصل؛ إذ شهد شهر يناير 2025 توقيف عدد من صناع المحتوى الجزائريين في فرنسا على خلفية بث مضامين تحريضية تتماشى مع توجهات السلطة في الجزائر.

وقضت محكمة بريست في 24 فبراير 2025 بحبس الناشط «زازو يوسف» مدة 18 شهرا نافذا ومنعه من دخول التراب الفرنسي لعشر سنوات إثر دعوته الصريحة لحمل السلاح. وبالتوازي، أصدرت محكمة ليون حكما بحبس الناشطة صوفيا بن لمان تسعة أشهر مع وقف التنفيذ بعد تهديدها المباشر لمعارضي النظام عبر البث المباشر.

وتجلت مظاهر التأزيم أيضا في قضية الناشط «دوالمن»، الذي دعا عبر منصات التواصل في مونبلييه إلى ممارسة العنف. ورغم قرار ترحيله الصادر في 9 يناير 2025، رفضت السلطات في مطار الجزائر استقباله وأعادته إلى فرنسا على متن الطائرة نفسها، في خطوة فسرها وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو بمحاولة لإحراج بلاده سياسيا.

وفي الضفة الأخرى، يدفع المعارضون ثمن مواقفهم؛ إذ تعرض الناشط أمير دي زاد في أبريل 2024 للاختطاف والاحتجاز في ضواحي باريس، في ملف وجه فيه القضاء الفرنسي تهما لعدد من الأشخاص، بينهم موظف في القنصلية الجزائرية. والمثير أن هذا المعارض ذاته يواجه حاليا اتهامات من المؤسسة العسكرية الجزائرية بالوقوف وراء حرائق جيجل.

وتكشف هذه الوقائع استراتيجية مستمرة تقوم على توظيف كل اهتزاز سياسي أو اجتماعي في فرنسا لخدمة أجندة السلطة في الجزائر، مع النظر إلى أبناء المهجر كورقة ضغط في أوقات التوتر الدبلوماسي بين العاصمتين، عوض اعتبارهم مواطنين مدمجين داخل مجتمعهم.

ولن يطال ثمن هذه الحسابات السياسية القائمين على تلك المنابر الإعلامية، بل سيدفعه الآلاف من حاملي الجنسيتين الذين يتابعون حياتهم المهنية والعائلية بشكل اعتيادي وبعيد عن الشغب، ليجدوا أنفسهم محاصرين باتهامات جماعية تغذيها آلة الدعاية الخارجية.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 20/10/2026 على الساعة 12:02