فالمعطيات المروعة المسربة بخصوص النشاط الإجرامي الذي يقوده المدعو المهدي حيجاوي، سلطت الضوء على أساليب مافيوزية خطيرة تعتمد على انتحال الصفات الحساسة للإيقاع بالضحايا. إذ لم تكن هذه الشبكة مجرد توليفة من المحتالين الصغار، بل كانت تنظيماً محكماً يستهدف النخبة الاقتصادية، مستغلاً جشع البعض ورغبة البعض الآخر في تسريع مصالحه بأي ثمن.
والنمط الأول من هذا المسلسل الإجرامي يكشف كيف كان يتم اصطياد كبار رجال الأعمال والمستثمرين من خلال مسرحيات هزلية متقنة. فقد تمت فبركة شخصيات وهمية، مثل المستشار الملكي « الفالصو »، لإضفاء طابع الشرعية المطلقة على عمليات النصب. كما أن قيام أفراد هذه الشبكة بالاجتماع في فنادق فخمة بمدريد مع مستثمرين أجانب، أمثال « Jean Yves Ollivier »، وطلب مبالغ فلكية تصل إلى 8 ملايين أورو لتسهيل مشاريع مثل « مدينة الإعلام » بالرباط، يوضح مدى الجرأة والوقاحة التي وصلت إليها هذه العصابة الإجرامية في استغلال اسم مؤسسات الدولة وانتحال صفات شخصيات سامية لتكوين ثروات غير مشروعة.
ولعل الفضيحة الأكبر في هذا النمط الإجرامي تتجلى في تورط أسماء اقتصادية مغربية بارزة في هذا المستنقع، إما كوسطاء أو كضحايا للابتزاز والتواطؤ. فاعترافات المدير العام السابق للبنك الشعبي، كمال مقداد، تكشف كيف تحول إلى أداة طيعة في يد المهدي حيجاوي للإيقاع برجل أعمال وابتزازه في مبلغ 20 مليون درهم نقداً، وهو ما يعكس هشاشة بعض رجال الأعمال الذين يفضلون اللجوء إلى « الوسطاء المزعومين » وتقديم الرشاوى بدل الاحتكام إلى القانون والشفافية.
إن هذه السلسلة من عمليات النصب التي تعتمد على شخصيات مبحوث عنها، مثل عبد الواحد السدجاري وكريم بعزيط، تظهر كيف تُبنى إمبراطوريات الوهم على استغلال الثقة. فالمافيا لا تصنع الفرص، بل تصطنع الأزمات وتوهم الضحية بأنها تملك مفاتيح الحل السحري. وهذا ما كان يقوم به بالفعل المهدي حيجاوي وعناصر شبكته الإجرامية.
بيادق البشر وصناعة كباش الفداء
حينما تضيق الخناق على المافيات وتستشعر الخطر، تنتقل فوراً من مرحلة جني الأموال إلى مرحلة تصفية الحسابات والبحث عن أوراق ضغط لتأمين بقائها. فالنمط الإجرامي الثاني الذي فضحته التسريبات الأخيرة لمجموعة « أطلس هاكرز » يعكس أبشع صور الانحطاط الأخلاقي، حيث يتحول البشر إلى مجرد سلع قابلة للمقايضة. فالمهدي حيجاوي، في محاولاته اليائسة للنجاة، لم يجد حرجا في التخطيط لاستدراج شريكه في التشهير والابتزاز هشام جيراندو إلى فرنسا أو إسبانيا، لا لشيء سوى لجعله كبش فداء يقدمه على طبق من ذهب في أي مفاوضات محتملة.
إن التفكير المافيوزي لا يعرف معنى للولاء أو الصداقة؛ فالجميع مجرد أدوات تنتهي صلاحيتها بانتهاء الغرض منها. والمكالمة المسربة لحيجاوي مع رضا الطاوجني تكشف عن نية مبيتة وخطة شيطانية لاستعمال جيراندو كطعم. فهذا المخطط لا يقتصر على تسليمه المباشر للمغرب كورقة مساومة، بل يتعداه إلى سيناريوهات أكثر قذارة تعتمد على التوريط والتلفيق الجنائي إذا لزم الأمر، مما يؤكد أن من يتحالف مع الشيطان يجب أن يتوقع الاحتراق بناره في أية لحظة.
وما سمي بـ« عملية سعد المجرد » هي الترجمة الحرفية لدناءة هذه الشبكة. فالتخطيط للإيقاع بجيراندو في قضية اغتصاب بفرنسا، تيمناً بما وقع للمغني المغربي المعتقل حاليا بفرنسا، يبرز كيف تحرص المافيات على استغلال نزوات الأشخاص والزج بهم في السجون كأسلحة استراتيجية. فهم مستعدون لصناعة فضائح دولية فقط لخلق ورقة تفاوضية رابحة تنجيهم من حبل المشنقة القانوني الذي يلتف حول أعناقهم.
وهذا التواطؤ القذر يسلط الضوء على الغباء الذي يعيشه بعض من يعتقدون أنهم « نشطاء » أو « مؤثرون » حينما يضعون أيديهم في أيدي عصابات الإجرام المنظم. إن من يتوهم أنه يستغل المافيا لخدمة أجندته الشخصية أو لتصفية حساباته، سرعان ما يكتشف أنه مجرد بيدق تافه يتم تحريكه في رقعة شطرنج قذرة، وأنه أول من سيتم التضحية به حينما يحين موعد تصفية الحسابات الكبرى وعقد الصفقات. وهنا يبرز اسم النصاب هشام جيراندو كأكبر تجسيد واقعي لهذه المساومة الإجرامية.
المفاوضات اليائسة وسقوط الأقنعة
النمط الثالث والأخير من هذه الفضائح يعكس حالة التخبط والذعر التي تعيشها هذه الشبكة الإجرامية. فالمهدي حيجاوي، بعد أن انكشفت أوراقه وتهاوت قصوره الرملية، يحاول اليوم لعب ورقته الأخيرة من خلال البحث الحثيث عن وسطاء مغاربة للتفاوض. إنها محاولة بائسة لشراء النجاة وعقد صفقة تخرجه من جحيم المتابعات الجنائية الثقيلة التي تلاحقه، متناسياً أن الدول المؤسساتية لا تفاوض المبتزين ولا تعقد الصفقات مع من يمس سيادتها ويزج باسم مؤسساتها في الوحل.
إن هذا السلوك الأرعن يؤكد بجلاء أن النصابين والمبتزين هم في الواقع أجبن الناس عندما يواجهون قوة القانون. لقد اعتقدوا أن بإمكانهم التلاعب بالدولة كما تلاعبوا برجال الأعمال، وأن أموال الابتزاز وشبكات العلاقات الوهمية قادرة على توفير حصانة أبدية لهم. لكن البحث عن « مخرج آمن » الآن يثبت أن كل تلك الغطرسة لم تكن سوى واجهة تخفي وراءها مجرمين يرتعدون من فكرة الوقوف أمام العدالة.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز مأساة أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أبواقاً أو أدوات في أيدي هذه المافيات، مقابل وعود زائفة أو مصالح شخصية ضيقة. إن درس المهدي حيجاوي وشبكته يجب أن يكون إنذاراً لكل من يتواطأ مع الإجرام ضد وطنه. فالنهاية الحتمية لكل من يبني مجده على الابتزاز والتدليس هي السقوط المدوي، وحين تسقط المافيا، فإنها تجر معها كل من ارتبط بها إلى الهاوية.
وأمام هذه المعطيات الصادمة والمخططات الدنيئة التي تحاك في الخفاء لتقديم الرؤوس كقرابين نجاة، يبقى السؤال الملح والموجه لأولئك الذين فضلوا الارتماء في أحضان المافيا: هل سيستمر هشام جيراندو في عماه أم سيخرج من الغيبوبة والعمى الذي يعيشه ليفضح مؤامرات المهدي حيجاوي مثل ما فضحته هو شخصيا تسريبات مجموعة أطلس هاكرز؟
