برنارد لوغان: الرئيس تبون والإمارات العربية المتحدة ووهم 5.630.000 «شهيد»

المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان

في 22/09/2026 على الساعة 12:26

مقال رأييرجع السعي المحموم وراء نيل صفة «مجاهد سابق» إلى كون حاملي هذه البطاقة الثمينة وذوي حقوقهم يتقاضون ريعا من الدولة، ويستفيدون من امتيازات ومغانم واستثناءات فوق القانون.

أعلنت الجزائر، يوم الخميس 10 شتنبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة وإغلاق مجالها الجوي في وجه طائراتها العسكرية والمدنية. ولا تشكل هذه الخطوة، التي تزيد من عزلة الجزائر دبلوماسيا، جوهر هذه المادة التحليلية، بل ينصب الاهتمام هنا على تفكيك التصريحات السريالية تاريخيا والبعيدة كليا عن اللياقة الدبلوماسية، التي أطلقها الرئيس عبد المجيد تبون في تحذيره الموجه إلى أبوظبي، وفق ما أورده موقع «موند أفريك» بتاريخ 11 شتنبر 2026.

ونقل الموقع عن الرئيس الجزائري مخاطبته الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مطلع العام الجاري قائلا: «إذا كنت تظن أنك ستتصرف معنا كما تتصرف مع الآخرين، فأنت واهم. لدينا 5.630.000 شهيد سقطوا فداء لهذا الوطن. ومن أراد الاقتراب منا، فليفعل».

وإلى جانب كشف هذا الخطاب، مرة أخرى، عن جهل المراجع العليا في الدولة الجزائرية بأبسط الأعراف الدبلوماسية، يفتقر الرقم المعلن من قبل الرئيس إلى أي سند علمي؛ إذ لا يستند إلى أي بحث رصين، بقدر ما يمثل سلاحا خطابيا في بناء سردية الذاكرة التي يستمد منها النظام الجزائري «شرعيته».

وبناء على مزاعم الرئيس تبون، يكون الاستعمار الفرنسي قد تسبب، ما بين 1830 و1962، في مقتل 5.6 ملايين جزائري. ويقتضي تفكيك هذا الطرح استحضار معطيات ديمغرافية حاسمة قبل الخوض في العمق؛ إذ قدرت أولى الإحصاءات السكانية المنجزة حوالي سنة 1835 عدد السكان «الأهالي» بنحو ثلاثة ملايين نسمة، في حين بلغ عدد سكان الجزائر عند الاستقلال في يوليوز 1962 قرابة أحد عشر مليونا دون احتساب الأوروبيين، أي ما يناهز أربعة أضعاف.

ويتطلب الوصول إلى 5.6 ملايين ضحية تسجيل معدل وفيات هائل ومستمر طيلة 132 سنة من الوجود الفرنسي، وهو ما تدحضه الأرقام الديمغرافية الموثقة جملة وتفصيلا، بالنظر إلى أن عدد الجزائريين تضاعف بشكل لافت خلال الحقبة الاستعمارية، الأمر الذي يجعل صحة هذه الأرقام مستحيلة حسابيا.

وعلى الرغم من شراسة الغزو وحملات القمع خلال القرن التاسع عشر، إلا أنها لم تكن سلسلة من الإبادات الجماعية المتواصلة.

«استنجد الرئيس الجزائري بسردية تاريخية مفبركة وأرقام خرافية لا تستند إلى أي أساس علمي لتبرير أزمته الدبلوماسية مع أبوظبي، محولا أوهام الذاكرة إلى ورقة ابتزاز خارجي تكشف عمق التخبط داخل قصر المرادية»

—  برنارد لوغان

وتشير الدراسات الأكاديمية إلى أن مجازر 1945 في سطيف وقالمة وخراطة خلفت ما بين 15 ألفا و20 ألف قتيل، في حين حصدت حرب التحرير (1954-1962) أرواح نحو 300 ألف جزائري استنادا إلى أكثر التقديرات رصانة ومصداقية. وتبقى هذه الأرقام، في شتى الأحوال، بعيدة جدا عن رقم 5.6 ملايين قتيل.

غير أن النظام الجزائري دأب على تضخيم الأرقام دون تردد. وفي هذا السياق، فجر نور الدين آيت حمودة، النائب البرلماني السابق عن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ونجل العقيد عميروش آيت حمودة قائد الولاية التاريخية الثالثة الذي سقط في المعركة يوم 29 مارس 1959، زلزالا سياسيا تحت قبة البرلمان سنة 2008؛ إذ كشف فضيحة «المجاهدين المزيفين» ونسف أسطورة المليون ونصف المليون شهيد التي خلفتها حرب التحرير، مبينا أن الغاية من هذا الرقم كانت تبرير تضخم أعداد ذوي الحقوق من الأرامل واليتامى لصالح أركان النظام.

وأكد آيت حمودة آنذاك أن ثلاثة أرباع حاملي بطاقة المجاهد وذوي الحقوق، البالغ عددهم مليوني شخص، مزورون لا صلة لهم بالثورة. وتطابق هذا المعطى مع ما صرح به الوزير الأسبق عبد السلام علي راشدي سنة 2015 حين جزم بأن: «الجميع يعلم أن 90 في المائة من هؤلاء المحاربين القدامى، أي المجاهدين، مزيفون» (جريدة «الوطن»، 12 دجنبر 2015).

ويرتبط هذا التهافت الشرس لنيل صفة «مجاهد» بحصول حاملي هذه البطاقة وذوي حقوقهم على معاشات ريعية تصرفها الدولة، إضافة إلى حزمة واسعة من الامتيازات والمغانم والأسبقيات. ويشكل هؤلاء الحزام الشعبي الصلب للنظام الحاكم، حيث يمارسون ثقلهم السياسي عبر شبكة جمعيات وطنية مبثوثة في أرجاء البلاد، تتقدمها المنظمة الوطنية للمجاهدين، والمنظمة الوطنية لأبناء الشهداء، والتنسيقية الوطنية لأبناء الشهداء، فضلا عن المنظمة الوطنية لأبناء المجاهدين.

وفي السياق ذاته، أسس عدد من المقاتلين الحقيقيين من مختلف مناطق الجزائر سنة 2003 جمعية لمكافحة المجاهدين المزيفين، بعدما كشفوا أن المنظمة الوطنية للمجاهدين تضم 80 في المائة من المقاتلين الوهميين، كان من بينهم، بحسب ما نشرته صحيفة «ليبرتي» بتاريخ 28 أكتوبر 2003، وزير المجاهدين شخصيا في تلك الفترة.

وظل رقم 5.6 ملايين قتيل، الخالي من أي توثيق تاريخي، أداة مركزية لترسيخ «شرعية» السلطة القائمة وضمان استمرار الضغط السياسي على باريس، قبل أن يتحول اليوم، للمفارقة، إلى حجة «دبلوماسية» تستخدمها الرئاسة الجزائرية في مواجهة الإمارات العربية المتحدة.

تحرير من طرف برنارد لوغان
في 22/09/2026 على الساعة 12:26