إضراب المحامين بالمغرب: شلل المحاكم يذبح مصالح المتقاضين.. صرخات غاضبة تهز محاكم الدار البيضاء

إضراب المحامين يصيب محكمتي الدار البيضاء الابتدائية والاستئنافية بالشلل ويعطل مصالح المتقاضين

في 04/07/2026 على الساعة 10:00

«حضر المدعي ومثل المتهم في حالة اعتقال، وغاب الدفاع. المحكمة تقرر تأخير الملف إلى جلسة...». بهذه العبارات المقتضبة التي نطق بها قاض بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء عشرات المرات تواليا صباح الجمعة 3 يوليوز، وهو يقلب حزمة من الملفات المعروضة أمامه، طويت آمال عشرات المتقاضين إثر حسم القرار بتأجيل غالبية الملفات إلى شتنبر المقبل، في مشهد بات يتكرر بآلية رتيبة داخل ردهات المحاكم منذ دخول المحامين في إضراب مفتوح عن العمل.

الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، البهو الإسمنتي للمبنى الضخم لمحكمة الاستئناف وسط العاصمة الاقتصادية يبدو غاصا بعشرات المواطنين من مشتكين ومدعى عليهم وشهود وعائلات قدموا من حواضر ومناطق بعيدة لحضور جلساتهم.

بيد أن المفارقة الصادمة تجلت في خلو البهو كما قاعات الجلسات من حركية أصحاب البذلات السوداء، إثر الإضراب المفتوح الذي يخوضه المحامون احتجاجا على مسودة القانون المنظم للمهنة.

وبدت عجلة العدالة وقد شلت في قاعات الجلسات، إذ فقد المرفق محتواه القانوني جراء المقاطعة الشاملة، الأمر الذي حول المتقاضين إلى ضحايا مباشرين لمعركة تشريعية ونقابية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، رغم حضور الهيئات القضائية والموظفين في مواعيدهم المعتادة.

صرخات إنسانية في ردهات المحكمة

«ماشي معقول هادشي»، تصرخ امرأة ثلاثينية وهي تغادر قاعة الجلسات رقم 8، محتضنة فوق صدرها رضيعا أطلق العنان للبكاء بحرقة. تحاول الأم الشابة أن تكفكف دموعها بملامح يكسوها الغضب. شرعت تربت فوق ظهر الطفل قبل أن تردف أن زوجها المعتقل يواجه تمديدا غير عادل لفترة سجنه في ملف جنائي نتيجة غياب المؤازرة القانونية: «واه!! هادي المرة الثانية كيأجلو الجلسة فسيمانة.. المحامين دايرين إضراب وراجلي يبقى مشدود ظلما وعدوانا..».

أكدت الشابة أن هذا التأجيل المتكرر يضاعف أعباءها المادية والمعنوية، ويؤخر الإفراج عن معيل الأسرة الوحيد.

تؤازرها امرأة أربعينية خرجت للتو من القاعة نفسها وهي تكفكف دموعها، للسبب نفسه على ما يبدو. غير أنها ربتت على كتف الشابة الغاضبة حاثة إياها على الصبر، دون أن تنطق بكلمة، من فرط الصدمة التي تلقتها هي الأخرى ربما.

تصمت الأم الغاضبة برهة بينما يواصل الرضيع صراخه وهي تحاول إسكاته، وكأنه يحتج هو الآخر بطريقته. علا صراخ الرضيع وملأ جنبات البهو فهرول شرطي بسرعة نحوها آمرا إياها بالانصراف من أمام قاعة الجلسات.

في تلك اللحظة انضاف إلى المشهد عدد من الرجال والنساء من مختلف الأعمار، خرجوا للتو من قاعة الجلسة التي ما تزال منعقدة. بدت تقاسيم أوجههم غاضبة وهم يتبادلون لغة الهمس والإشارات فيما بينهم، وكلهم مستاؤون من التأجيل إلى مواعيد بعيدة بأسابيع.

«وبزاف هادشي»، يقول رجل ستيني يرتدي جلبابا خفيفا وطاقية بيضاء تناسب شيب شعره ولحيته، معبرا بأسى عن ارتباكه بعد تأجيل محاكمة ابنه المعتقل.

وروى الرجل المتقاعد، في حديث مع Le360، أنه قدم من مدينة بن حمد لمساندة ابنه الذي يحاكم منذ أسابيع في ملف جنائي. واغرورقت عينا الرجل المتعب وهو يروي لنا مدى ثقل الأعباء المادية والمعنوية في كل مرة يضطر فيها إلى الانتقال إلى المحكمة لمؤازرة ابنه.

وقاطعه رجل خمسيني وفد كشاهد من مدينة بني ملال، كأنما يحاول تهدئته، قائلا: «كلنا مضرورين غير صابرين وصافي.. حتى أنا كنجي من بني ملال كشاهد فواحد الملف ومزال كيديو ويجيبو فيا»، مستنكرا دوامة الهدر الزمني والمالي التي يمر بها. ثم انصرف الجميع في النهاية مستسلمين لواقع معقد، بعدما ضاعت مصالحهم المالية والأسرية في قضايا يعتبرونها مصيرية.

على المنوال نفسه، صادفنا الكثير من المتقاضين الذين تكبدوا عناء السفر من مدن عديدة لحضور جلسات حاسمة، لكنهم رووا بألم وحسرة كيف ضاعت مصالحهم المالية أو الأسرية بسبب تأجيل ملفات يعتبرونها مصيرية.

الركود يضرب محكمة عين السبع

لم يختلف الوضع كثيرا داخل المحكمة الابتدائية المحاذية لعمالة عين السبع، إذ رصدنا خلال المعاينة الميدانية في حدود الساعة التاسعة من صباح الجمعة، انعقاد جلسات سريعة لم تستغرق سوى دقائق معدودة قبل أن ترفع فورا بسبب غياب المحامين.

وباستثناء شبابيك النيابة العامة المخصصة لتلقي الشكايات عند المدخل الرئيسي، بدت قاعات المبنى الزجري فارغة من المرتفقين، وفقدت الممرات حيويتها المعهودة.

إلى جانب شلل قاعات الجلسات، امتدت تداعيات التوقف الشامل لتصيب المكاتب الإدارية ومكاتب النساخين والتنفيذ بشلل حاد، إثر تراجع وتيرة إيداع المذكرات والطلبات التي يدبجها الدفاع، لتظل مختلف الشبابيك فارغة، على غير العادة.

أبعد من هذا الشلل، أسر مصدر قضائي لـLe360 موضحا أن آثار إضراب المحامين بالمغرب تتجاوز تعطيل مصالح المواطنين الآنية لتضرب عمق الإدارة القضائية، مؤكدا أن سيل التأجيلات العارم يمهد لـ«بلوكاج غير مسبوق» وتراكم هائل للملفات، سيتطلب تصريفه -حسب المصدر- عملا مكثفا يستغرق أشهرا طويلة عقب انجلاء الاحتقان الحالي.

حماية المستهلك: لا يجوز أن يدفع المتقاضي ثمن الإضراب

دخلت جمعيات حماية المستهلك على خط الأزمة الصامتة لتضع الأصبع على الجرح الاجتماعي النازف، حيث أكد حسن أيت علي، رئيس المرصد المغربي لحماية المستهلك، أن المتقاضين «ليسوا بأي حال من الأحوال طرفا في هذا الخلاف المؤسساتي، مبرزا أنه لا يجوز أخلاقيا ولا قانونيا إجبار المواطنين على دفع فاتورة هذا التوقف المتجدد من قوتهم وأمنهم القانوني».

وأوضح أيت علي في تصريح لـLe360 أن المرصد يتابع بقلق بالغ استمرار إضراب أصحاب البذلات السوداء، وما ترتب عنه من «شلل شبه تام عطل سير الجلسات وتسبب في تأجيل آلاف القضايا بمختلف محاكم المملكة، الأمر الذي ألقى بظلال ثقيلة على المرتفقين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في عين العاصفة وضحايا مباشرين لبلوكاج لا يد لهم فيه».

وفي هذا الصدد، كشف الفاعل الحقوقي عن «حجم النزيف المالي والنفسي الذي يتكبده المواطنون في كل موعد جلسة يجري نسفه؛ إذ يضطر القادمون من مناطق بعيدة ونائية إلى تحمل مصاريف إضافية باهظة تشمل تكاليف التنقل والإقامة، فضلا عن إجبارهم على التغيب عن مقرات عملهم وخسارة أيام عمل تشكل في الغالب مصدر رزقهم اليومي الوحيد».

ولم تقف تداعيات هذا التوقف عند الحدود المادية، بل امتدت، حسب المصدر ذاته، لتحدث «استنزافا نفسيا حادا تعيشه الأسر التي تتأرجح مصائرها بين ردهات المحاكم، لاسيما أولئك الذين ينتظرون بفارغ الصبر أحكاما استعجالية في قضايا مصيرية مثل النفقة، والحضانة، والطلاق، والإفراغ، وكذا ملفات حوادث السير والتعويضات والنزاعات التجارية والاجتماعية، حيث يظل أصحاب الحقوق معلقين في برزخ من القلق الدائم وعدم الاستقرار المعيشي».

ونبه رئيس المرصد إلى أن تأخير الفصل في الملفات «لا يتوقف عند حد المساس بالحقوق الآنية للأطراف، بل ينعكس سلبا على منسوب الثقة العامة في المنظومة القضائية برمتها، ويعيق آلية تنفيذ الأحكام، ويضاعف من جراح المواطنين الذين طرقوا باب القضاء لكونه الملاذ الآمن والأخير لحماية حقوقهم وإنصافهم من الحيف».

وأشار المرصد إلى احترامه الكامل للحق الدستوري المكفول للمحامين في الدفاع عن مطالبهم المهنية وسياقاتهم النضالية، بيد أنه شدد في المقابل على أن «حق المواطن في الولوج السلس إلى العدالة والبت في قضية داخل أجل معقول هو حق دستوري أصيل وثابت، ولا يمكن تحت أي ذريعة جعل مصالح المواطنين رهينة لخلافات مهنية أو قطاعية».

ومن هذا المنطلق، أطلق أيت علي نداء حازما إلى كافة الأطراف المعنية بقطاع العدالة داعيا إياهم إلى «التعجيل بفتح قنوات حوار مسؤول وجاد يفضي إلى تسوية منصفة تحفظ مكانة المحامين وحقوقهم، وتضمن في الآن ذاته استمرارية المرفق القضائي وصيانة حقوق المتقاضين، انطلاقا من القاعدة الفقهية والقانونية التي تؤكد أن العدالة المتأخرة قد تتحول في كثير من الحالات إلى عدالة منقوصة».

واختتم رئيس المرصد تصريحه بالتأكيد على أن العدالة ليست خدمة ثانوية يمكن تعليقها أو تجميدها دون إحداث أضرار بليغة، بل هي ركيزة أساسية تمس صلب الحياة اليومية للمواطنين واستقرار أسرهم ومصالحهم، وأي تعثر في الوصول إليها يضاعف معاناة المتقاضين ويقوض الشعور بالأمن القانوني والاستقرار المجتمعي

تصعيد المحامين.. كسر العظام يتواصل

تتجه الأزمة نحو منعطف أكثر قتامة في ظل إصرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب على الرفع من وتيرة حربها الاحتجاجية، لمواجهة حالة الانسداد التام التي تطبع مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.

ولم يعد أصحاب البذلات السوداء، الذين يشلون محاكم المملكة منذ أسبوعين، يكتفون بمقاطعة الجلسات، بل لوحوا برفع سقف التحدي عبر التهديد بتقديم استقالات جماعية من الأجهزة التمثيلية للمهنة، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى إرباك حسابات الوزارة الوصية ودفن النص التشريعي المثيرة للجدل.

هذا الاحتقان الميداني ترجم يوم الخميس 2 يوليوز إلى إنزال وطني حاشد أمام مقر البرلمان بالرباط، صرخ فيه آلاف المحامين لتنبيه المشرعين من خطورة تمرير المقتضيات الحالية التي تطبخ خلف الأبواب المغلقة.

وتزامن هذا الإنزال مع مصادقة لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، مساء اليوم نفسه، في قراءة ثانية، على مشروع القانون بتسعة أصوات مقابل صوت واحد معارض وضعه رئيس اللجنة الاتحادي سعيد بعزيز، وهو محام في الأصل، بالتزامن مع غياب لافت لعشرة نواب من زملائه المحامين ينتمون إلى مختلف الأطياف السياسية، ليحال النص المعدل طفيفا إلى مجلس المستشارين لخوض قراءة جديدة الأسبوع المقبل، قد تعيده مجددا إلى الغرفة الأولى في حال إدخال أي تعديلات إضافية.

ويخوض ممثلو المهنة هذه المعركة الشرسة رفضا لبنود تشريعية يرون أنها تقوض استقلاليتهم وتضع ممارستهم اليومية تحت وصاية النيابة العامة ووزارة العدل، لاسيما في الشق المتعلق بالعقوبات التأديبية، حيث صدحت حناجرهم من أمام قبة البرلمان بشعار «المعركة بدأت للتو»، مؤكدين عدم تراجعهم ما لم يتم سحب النص بالكامل.

وفي سياق هذا السجال البرلماني والسياسي الحاد، يظل مرفق القضاء في خضم شلل تام، الأمر الذي ينذر بتدهور خطير في وضعية المتقاضين، وبشكل أخص الأشخاص رهن الاعتقال الاحتياطي الذين يواجهون تمديدا قسريا لسجنهم وتجميدا لملفاتهم، إضافة إلى التسبب لذويهم في المزيد من المعاناة المادية والمعنوية، كلما طال أمد تعطل المرفق.

تحرير من طرف ميلود الشلح و خديجة صبار
في 04/07/2026 على الساعة 10:00