محامو المغرب ينتفضون ضد الحكومة ويهددون بنزع البدلات السوداء وشل المحاكم ومقاطعة الانتخابات المهنية

النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب (وسط) خلال الندوة الصحفية التي نظمتها الجمعية يوم الجمعة 26 يونيو بمقر هيئة المحامين بالدار البيضاء

في 27/06/2026 على الساعة 13:42

أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب دخولها مرحلة جديدة من التصعيد الميداني في مواجهة وزارة العدل، معلنة رفضها المطلق لمشروع القانون المنظم للمهنة ولتعديلات قانون المسطرة المدنية.

جاء ذلك خلال ندوة صحفية ساخنة عقدتها الجمعية مساء الجمعة 26 يونيو بمقر هيئة المحامين بالدار البيضاء، بحضور حشد من النقباء والممارسين الذين أجمعوا على مواجهة ما وصفوه بـ«الهجمة غير المسبوقة والتراجعات التشريعية التي تهدد استقلالية رسالة الدفاع».

وشدد النقيب الحسين الزياني، رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، على أن «هذا القانون لم يراع الجودة أو استقرار السلم الاجتماعي، بل خلق فتنة كبيرة داخل الوسط المهني».

رد حازم على وزير العدل

شهد اللقاء ردا قويا ومباشرا من رئيس الجمعية، النقيب الحسين الزياني، على التصريحات الأخيرة لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي تساءل فيها مستنكرا «من أنتم حتى يلتزم معكم رئيس الحكومة؟».

وخاطب الزياني الوزير قائلا «من نحن؟ نحن المحامون، ومن يطرح هذا السؤال عليه أن يعود إلى قراءة التاريخ»، مؤكدا أن الجسم المهني يرى نفسه غير معني بالمشروع التشريعي الجديد في حال استمرار ما سماه «اغتيال عنصر الثقة وعدم التزام مؤسسات الدولة بكلمتها».

وصف رئيس الجمعية المقتضيات المطروحة بأنها تمثل هجوما يستهدف إضعاف المهنة وتجريدها من مقومات تنظيمها الذاتي، معلنا أمام الحاضرين: «مسار ومنهجية هذا القانون وما وصل إليه من مقتضيات ماسة في العمق بأساسيات ومبادئ المحاماة، تجعلنا نسميه عنفا تشريعيا، وانتقاما وعقابا للمحاميات والمحامين المغاربة».

واتهم المتحدث نفسه الحكومة بمحاولة تمرير المشروع في إطار حسابات سياسية ضيقة وضمن سرعة قياسية خلال ما تبقى من عمر الولاية الحكومية الحالية، مشيرا بوضوح إلى أن «السرعة غير العادية في تمرير القانون لا تنتج نصوصا جيدة، ولدينا أدلة حاسمة على وقوع صفقة سياسية جرى بموجبها تقسيم هذا القانون بكيفية تدمر المهنة وتدمر العدالة في بلادنا».

تفكيك بنود التراجع والتحكم

سرد المسؤول المهني جملة من المقتضيات التي تضمنها المشروع وتراها الهيئات تقويضا لأسس مهنة البدلات السوداء، ومنها نقل اختصاصات التكوين إلى وزارة العدل، والتدخل في التدبير الداخلي للمجالس، فضلا عن حرمان عدد من النقباء وأعضاء المجالس من الحق في الترشح مجددا.

انتقد الزياني بشدة مساعي إخضاع حساب ودائع المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مؤكدا أن هذه الخطوة لا نظير لها في التجارب الدولية المقارنة.

وحذر رئيس الجمعية من التداعيات الوخيمة لهذه التعديلات على حقوق المواطنين، واصفا المقاصد الكامنة وراءها بالخطيرة، وزاد موضحا: «إضعاف المحامي هو إضعاف لحق المواطن في الولوج إلى العدالة، لأنه بغياب محام قوي ومستقل لا يمكن للمواطن نيل حقوقه، والهدف الحقيقي من هذا الاستهداف هو إعدام الحقوق والحريات وخلق عدم التوازن في ميزان العدالة».

وأوضح المتحدث أن هذه الودائع ليست أموالا عمومية، بل أموال خاصة تدار في إطار الوكالة والأمانة بين المحامي وموكله، الأمر الذي أيده نقيب هيئة المحامين بالرباط، عزيز رويبح، مبرزا أن هذه الأموال تخضع سلفا لضوابط قانونية صارمة ولرقابة النقيب والنيابة العامة، ولا يملك أحد حرية التصرف فيها خارج القانون.

لغز المليارات الأربعة والنصف

أثارت الندوة ملف المساعدة القضائية بحدة كبيرة، حيث طالب رئيس الجمعية بفتح تحقيق شفاف لمعرفة مصير الميزانيات المرصودة لهذا المرفق الاجتماعي الإنساني.

وكشف الزياني أن الاعتمادات المخصصة للمساعدة القضائية بلغت 6 مليارات سنتيم ظلت محتجزة في الميزانية الفرعية لوزارة العدل دون تحويلها للهيئات، مبرزا أن نحو 1.5 مليار سنتيم فقط هي التي وزعت على حوالي 19 ألف محام قبل سنة 2020.

وتساءل نقيب المحامين باستهجان «أين ذهبت الأربعة مليارات والنصف المتبقية؟»، داعيا المجلس الأعلى للحسابات إلى توجيه بوصلة افتحاصه إلى هذا الملف تحديدا بدل استهداف استقلالية الهيئات المهنية وتوظيف الملف سياسيا.

رهان حكومي على تحديث المهنة

في المقابل، تتمسك وزارة العدل بمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، مؤكدة أنه خطوة مفصلية لإحداث تحول نوعي يعزز شروط الولوج ويطور منظومة العدالة لتواكب رهانات التحديث العصرية.

ويرى وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن النص الجديد يمنح ضمانات قوية للممارسة المهنية، ويفتح الباب أمام نقاش برلماني كفيل بتجويد المضامين وإخراجها في صيغة تليق بمكانة أسرة القضاء وأدوارها الدستورية والمجتمعية.

وفي سياق المسار التشريعي، يقترب المشروع من محطته النهائية عقب مصادقة مجلس النواب عليه بالأغلبية في ماي الماضي، تلتها مصادقة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين.

وقد حسمت الغرفة الثانية للبرلمان الجدل القانوني بالتصويت لصالح النص بالأغلبية يوم الأربعاء 24 يونيو، الأمر الذي يضع القانون في مرحلة متقدمة جدا تسبق صدوره بالجريدة الرسمية، بالتزامن مع تصاعد حدة الاحتجاجات المهنية.

جبهة موحدة وشلل مرتقب للمحاكم

أظهرت الندوة التفافا عريضا للمهنيين، تمثل في التحاق هيئة الدار البيضاء، وهي كبرى هيئات المملكة، بقرار التوقف عن العمل عقب المصادقة على المشروع داخل لجنة العدل والتشريع، لتصبح المواقف المهنية على قلب رجل واحد.

وأعلن المحامون خطوة تصعيدية جديدة تتمثل في مقاطعة الانتخابات المهنية المقررة في شهر دجنبر المقبل، واضعين السلطات أمام خيارات حاسمة ومطالبين بالتريث والاستماع إلى صوت الحكمة والتراجع عن منطق الاستعجال غير المبرر.

كما خلص اللقاء إلى تسطير برنامج نضالي مكثف والتلويح بخيارات قاسية تشمل إغلاق المكاتب بالكامل ونزع البدلات المهنية، حيث جزم الزياني بالقول: «إذا لم يسحب هذا القانون أو يجمد فإننا غير معنيين به بالمرة، واليوم نعلن بداية معركة وجود لا نستسلم فيها أبدا، فإما أن تمارس المحاماة وفق القواعد والمعايير الدولية وإما أننا سندع هذه البدال».

تحرير من طرف ميلود الشلح
في 27/06/2026 على الساعة 13:42