تبون في مواجهة شنقريحة.. ورقة المخدرات تشعل حرب الابتزاز بين قصر المرادية وقيادة الجيش

محمد تبون وخلفه والده الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش سعيد شنقريحة

في 04/11/2026 على الساعة 12:45

وضع صراع الأجنحة داخل هرم السلطة الجزائرية المؤسسة العسكرية في قلب فضيحة مدوية، إثر تسريب معطيات تفيد بنقل نجل الرئيس عبد المجيد تبون ملفا حارقا إلى سويسرا، يوثق تورط قيادات عسكرية رفيعة في رعاية شبكات دولية لتهريب المخدرات، في خطوة تشكل ورقة ضغط وتحصين سياسي في مواجهة رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة.

تفجرت فصول الواقعة انطلاقا من رحلة جوية خاطفة نفذها عبد اللطيف بلقايم، المكلف بمهمة في الرئاسة الجزائرية منذ سنة 2019. توجه المسؤول الرئاسي، يوم السبت 24 أكتوبر، صوب جنيف على متن رحلة نظامية للخطوط الجوية الجزائرية، ثم قفل راجعا في اليوم ذاته، بعدما التقى هناك برجل الأعمال رافع تشوكا، المقيم في سويسرا، والذي ورد اسمه في ملف المدير الأسبق للأمن الوطني فريد بن شيخ، المتابع أمام المحكمة العسكرية بالبليدة بتهمة «الخيانة العظمى»، وسط صمت رسمي مطبق من قصر المرادية والمعني بالأمر.

رحلة خاطفة إلى جنيف و«قنبلة» في حقيبة مبعوث الرئاسة

خرج الناشط سعيد بن سديرة، المعروف بقربه من كبار جنرالات حقبة التسعينيات، في بث مباشر عبر قناته الرقمية يوم 2 نونبر، ليقدم رواية تحولت في جوهرها إلى اعتراف صريح بواقع التواطؤ.

فقد أكد بن سديرة أن بلقايم تحرك بأمر مباشر من محمد تبون، نجل الرئيس، واصفا إياه بـ«سعيد بوتفليقة الجديد» الذي كلف مبعوثه بوضع «قنبلة موقوتة» في مكان آمن خارج الحدود.

يتضمن هذا الملف، تبعا للمصدر ذاته، محاضر أمنية واعترافات لعناصر شبكة تهريب فككتها الاستخبارات العسكرية في بشار وتندوف وأدرار.

وأقر المهربون الموقوفون أمام المحققين بنشاطهم في ترويج المخدرات وتهريب البشر وتجارة الذهب غير المشروعة، مؤكدين اشتغالهم بتنسيق وغطاء مباشر من قيادة الجيش منذ الحقبة التي تولى فيها السعيد شنقريحة قيادة الناحية العسكرية الثالثة.

اعتراف صريح بصفقة رعاية التهريب

سعى بن سديرة إلى تبرئة رئيس أركان الجيش بطرح ذرائع مثيرة، زاعما أن المؤسسة العسكرية أبرمت اتفاقا سريا مع بارونات التهريب أثناء فترات مكافحة الإرهاب، يسمح لهم بتمرير بضائعهم مقابل مد الجيش بمعلومات استخباراتية حول الجماعات المسلحة.

وادعى أن هذا التنسيق يعد عرفا أمنيا متبعا دوليا، غير أن المهربين استغلوا التفاهمات للتحول من نقل «المعجنات الغذائية» إلى تهريب الذهب والمخدرات، مشددا على أن شنقريحة لم يكن على دراية بتلك التفاصيل.

كرست هذه المرافعة الشبهات بدل دحضها، إذ أقرت بوجود تحالف ميداني موثق بين الجيش وشبكات التهريب في شريط حدودي بالغ الحساسية.

وكشف بن سديرة في السياق ذاته أن قائد الجيش الأسبق أحمد قايد صالح ومدير الأمن الداخلي الأسبق واسيني بوعزة كانا قد فتحا هذا التحقيق سنتي 2018 و2019، وكانا في طريقهما لإيداع شنقريحة السجن بتلك التهم الثقيلة قبل أن تعصف تطورات الحراك بالخارطة السياسية.

تسريبات بونويرة تلاحق قائد الأركان

تتطابق هذه الاعترافات الميدانية مع التسجيلات المسربة التي بثها المعارض محمد العربي زيتوت في يناير 2022، نقلا عن قرميط بونويرة، السكرتير الخاص السابق لقايد صالح. نعت بونويرة حينها شنقريحة بـ«بارون مخدرات وسلاح ووقود»، مبرزا إشرافه المباشر على مسارات التهريب على الحدود الغربية طيلة قيادته للمنطقة بين 2004 و2018.

قابلت المؤسسة العسكرية تلك التسريبات آنذاك بأحكام انتقامية قاسية، فقضت المحكمة العسكرية بالبليدة بإعدام بونويرة بتهمة «الخيانة العظمى» والسجن المؤبد في حق زيتوت.

وعاد الناشط المعارض في شتنبر 2025 ليكشف سجن 33 ضابطا على خلفية الملف عينه إبان عهد قايد صالح، لتأتي شهادة بن سديرة اليوم وتثبت الوقائع المادية التي حاولت الآلة القضائية طمسها، مع فارق وحيد يدعي جهل القائد بتفاصيل تدحضها اعترافات المهربين أنفسهم.

سلاح الابتزاز وتصدير الأزمة نحو الجوار

يكشف توقيت تفجير هذه المعطيات احتدام حرب النفوذ بين أجنحة السلطة، حيث لجأ نجل الرئيس إلى إيداع الوثائق في سويسرا كورقة ابتزاز ودرع لحماية مصالحه في مواجهة ضغوط قيادة الأركان.

ويأتي هذا التحرك بعد حالة الارتباك التي خلفتها وفاة مدير ديوان الرئاسة بوعلام بوعلام، وتمدد التحقيقات في ملف فريد بن شيخ لتمس المحيط الرئاسي، ما دفع الموالين لشنقريحة إلى محاولة تفكيك القنبلة قبل انفجارها علنا.

وتعري هذه المناورات المتزامنة هشاشة البنية الحاكمة التي تعتمد أسلوب تجميع ملفات الإدانة المتبادلة بدل منطق الدولة. دأبت الآلة الدعائية للنظام الجزائري لسنوات على اتهام المغرب بإغراق ترابها بالسموم للتغطية على إخفاقاتها، في حين تفضح المعطيات الميدانية تمركز شبكات التهريب تحت سمع وبصر ورعاية جنرالات الثكنات في بشار وتندوف، حيث لا يخوض أقطاب السلطة حربا لحماية الحدود من تجارة المخدرات، بقدر ما يتصارعون لتوظيفها سلاحا لتصفية الحسابات السياسية والبقاء في كراسي الحكم.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 04/11/2026 على الساعة 12:45