وتتصدر روسيا قائمة المشتبه بهم، غير أن دائرة التحريات طالت أيضا إيران والجزائر.
وتأتي هذه الشبهات المحيطة بالجزائر في أعقاب تقرير رسمي رفعه جهاز «فيجينوم» الفرنسي حول شبكة حسابات وهمية، وإدانات قضائية طالت مؤثرين جزائريين في فرنسا، فضلا عن وصف وسيلة إعلام مقربة من النظام أحداث التخريب بأنها «انتقام».
وكانت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية قد نشرت، يوم 21 أكتوبر، تحقيقا عنونته بـ«الاتحاد الأوروبي يحقق في تضليل إعلامي موال للكرملين حول أعمال الشغب الفرنسية».
وكشفت الجريدة فحص الهيئات التنظيمية الأوروبية شبهات تدخل رقمي انطلق من خارج بلدان التكتل، تزامنا مع خروج فرنسا من موجة عنف عارمة خلفت توقيف أزيد من 1800 شخص، وإصابة أكثر من 500 عنصر من الشرطة والدرك والإطفاء، علاوة على تخريب جانب واسع من مبنى بلدية ليموج.
وتصوب أجهزة الأمن أصابع الاتهام صوب موسكو، حيث نقلت الصحيفة عن مسؤولين تأكيدهم أن حسابات موالية لروسيا وأخرى مرتبطة باليمين المتطرف، وسبق توظيفها في حملات سابقة، نشرت مقاطع مصورة توثق أعمال التخريب لصب الزيت على النار وإدامة الفوضى.
غير أن التحقيق وسع قائمة الشبهات لتشمل إيران والجزائر، معتمدا على إفادات الباحث الفرنسي المتخصص في رصد التضليل دافيد كولون، الذي تحدث عن مؤشرات نفوذ وتدخل إيراني وجزائري داخل الساحة الفرنسية.
ولا يبدو إدراج الجزائر إلى جوار روسيا وإيران اعتباطيا؛ إذ سلم جهاز «فيجينوم» الفرنسي، المكلف بالتصدي للتدخلات الرقمية الأجنبية، مذكرة سرية من نحو أربعين صفحة إلى ديوان رئاسة الوزراء «ماتينيون» في يونيو 2025، أفصحت عنها أسبوعية «لو كانار أونشينيه».
وفككت المذكرة خيوط شبكة محكمة من الحسابات الوهمية المرتبطة بالجزائر، تملك القدرة على ترويج مضامين متطابقة في توقيت متزامن وبفارق دقائق معدودة.
ورصدت الوثيقة إطلاق تلك الشبكة حملة زعمت فيها وجود مؤامرة نسجها جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي «DGSE» خلال دجنبر 2024، متبوعة بدعوات لمقاطعة منتجات فرنسية في يناير 2025، وتوزيع تصاميم مفبركة للرئيس ماكرون منحنيا أمام تبون.
وتتبعت التحقيقات التقنية المسار الرقمي لتصل إلى خادم بريد إلكتروني يتبع هيئة جزائرية متخصصة في مكافحة الجريمة السيبرانية تابعة لوزارة الدفاع، يشتبه في إدارتها لهذه المنظومة برمتها.
وانتقل هذا المخطط من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع؛ ففي يناير 2025، وإبان اشتداد الأزمة الدبلوماسية بين باريس والجزائر، أوقفت السلطات الفرنسية مؤثرين جزائريين لبثهم مقاطع تحرض على العنف والتخريب.
وعاقبت المحاكم أحدهم، ويدعى «زازو يوسف»، بالحبس النافذ ثمانية عشر شهرا بتهمة التحريض على الإرهاب، بينما واجه مؤثر آخر يدعى «دوالمن» قرار الترحيل إلى الجزائر، لكن السلطات الجزائرية رفضت نزوله من الطائرة وأعادته إلى فرنسا، في خطوة رأى فيها وزير الداخلية آنذاك، برونو روتايو، مسعى متعمدا لـ«إهانة فرنسا».
ولم تلجأ الجزائر هذه المرة إلى الحسابات الوهمية لتحديد موقعها؛ إذ نشر موقع «ألجيري باتريوتيك»، التابع للطفي نزار نجل وزير الدفاع الأسبق خالد نزار، مقالا تصدر واجهته يوم 20 أكتوبر تحت عنوان «حرائق جيجل المدبرة من باريس: انتقام الشباب الفرنسي الجزائري».
وصور المقال استهداف مقرات البلديات في فرنسا بوصفه «عملية ردع» وتطبيقا لـ«قانون المعاملة بالمثل» ردا على حرائق الغابات التي شهدتها الجزائر خلال الصيف، والتي يحمل النظام مسؤوليتها لمعارض يقيم في فرنسا، وهو النص الذي لا يزال منشورا على الموقع.
وجاء التعاطي الجزائري سريعا ومتوقعا، إذ اكتفى موقع «أوراس» بنقل تحقيق الجريدة البريطانية مع التركيز على غياب الأدلة التفصيلية، متغاضيا بالكامل عن المعطيات الجوهرية، وفي مقدمتها شبكة «فيجينوم» ومقال «ألجيري باتريوتيك»؛ فبينما تطالب الجزائر بالبراهين، تضع هي بنفسها وثائق الإدانة أمام الجميع.
وتملك باريس اليوم ثلاث معطيات ملموسة تتعدى مجرد الافتراض؛ تقرير استخباراتي صادر عن أجهزتها المختصة، وأحكام إدانة صادرة عن محاكمها، وافتتاحية جزائرية تحتفي بحرق مقراتها الرسمية، وهي شواهد تجعل فرنسا في غنى عما ينشره «فايننشال تايمز» لمعرفة نظرة الجزائر إليها.
