الجزائر: لغز اللحوم المفقودة ..حين تحقق الدولة مع نفسها

خلال اجتماع مجلس الوزراء الذي عُقد في 18 أكتوبر

في 21/10/2026 على الساعة 14:00

فتح النظام الجزائري باب استيراد اللحوم، وانتقى المستوردين بنفسه، وخفض الرسوم الجمركية، وحدد سقوف هوامش الربح. وبعد مرور ثلاث سنوات، باتت اللحوم المستوردة تباع بأسعار اللحوم المحلية نفسها، ليكتشف مجلس الوزراء فجأة وجود «لوبيات احتكار». أمر تبون بفتح تحقيق فوري، في وقت تشير فيه كل الدلائل إلى أن المشتبه فيه الرئيسي يملك مكتبا داخل قصر المرادية.

تحاكي القصة حبكة بوليسية لا يتقن صناعتها سوى النظام الجزائري، تماما كما لخصها عنوان موقع «كل شيء عن الجزائر (TSA)» الصادر يوم 20 أكتوبر: الجزائر: من «التهَم» اللحوم المستوردة؟

تفاصيل الواقعة واضحة ومعلومة: دخلت البلاد كميات وصفتها الصحافة بأنها «ضخمة»، ورغم ذلك لم تعرف الأسعار أي تراجع. تجاوز ثمن اللحم المحلي 3300 دينار للكيلوغرام، بينما قفزت اللحوم المستوردة، التي بيعت في بدايتها بين 800 و1200 دينار، لتلامس هذا السقف المرتفع. في مسافة ما بين الميناء وواجهة الجزار، تبدلت الأسعار بالكامل دون أن يفهم أحد كيف جرى ذلك.

أطلق مجلس الوزراء المنعقد في 18 أكتوبر شارة التحقيق، بعدما شخص وجود «احتكارات يقودها بعض المستوردين»، ومحلات جزارة تسوق المستورد بثمن المحلي، وفوارق سعرية «بين الولايات وبين الأحياء داخل المدينة الواحدة». كلف الرئيس تبون الوزير الأول بالتقصي، لتنزل فرق وزارة التجارة إلى الميدان في اليوم الموالي مباشرة. الجميع يترقب النتائج، وعادة ما يدوم هذا الانتظار طويلا، بل طويلا للغاية.

تستدعي مساعدة المحققين العودة الصريحة إلى الوقائع؛ ففي شتنبر 2023، أطلقت وزارة الفلاحة عمليات الاستيراد عبر منصة رقمية تحدد فيها الإدارة هوية من يحق له الاستيراد.

وفي أبريل 2024، صدر مرسوم تنفيذي يحدد هوامش الربح بدقة: 4% للمستورد، و5% لتاجر الجملة، و8% لتاجر التجزئة. ثم جاء قانون مالية 2026 ليخفض الرسوم الجمركية إلى 5%، قبل أن يقترح مشروع قانون مالية 2027 تمديد هذا الامتياز حتى سنة 2029. تحمل كل مرحلة من هذه السلسلة توقيع الدولة الرسمي، ما يعني أن المشتبه فيه ترك بصماته فوق كل وثيقة.

وجد النظام كبش فدائه المعتاد: المستورد، الجزار، والوسيط. يتكرر السيناريو نفسه؛ إذ وجه الجيش قبل أسابيع قليلة أصابع الاتهام إلى اليوتيوبر المنفي أمير ديزاد وحمله مسؤولية حرائق الغابات، ليعود الدور هذا الأسبوع على جزار الحي بوصفه المسؤول عن تجويع الشعب. تبدو المعادلة ثابتة في جزائر تبون: لكل أزمة متهم جاهز، شريطة ألا يكون من يدير دفة الحكم.

تبدو الحلول المعلنة مطابقة تماما لطبيعة التشخيص، حيث صادق مجلس الوزراء على سبعة تدابير؛ يتولى بموجبها الولاة شراء فوائض الإنتاج وتخزينها ثم ضخها في الأسواق عند صعود الأسعار.

وتحدد وزارة التجارة أسقفا للأسعار وهوامش الربح للخضر، البقوليات، العجائن واللحوم، بموازاة تسيير فرق مراقبة تجري جولات تفتيش يومية على مدار السنة، وإرساء قاعدة بيانات رقمية ترصد أي زيادات غير طبيعية، فضلا عن قانون يؤطر نشاط الوسطاء. هكذا يتحول الوالي إلى تاجر جملة، والموظف إلى جزار، بينما يراقب الحاسوب أسعار البطاطس.

يكشف هذا المسار عن نسق متطابق؛ فنظام أسس لاقتصاد الريع عبر اختيار المستوردين باليد، يواجه تداعيات الخلل بتعيين موظفين جدد لمراقبة الفئة الأولى. وإذا اختفت اللحوم بين الرصيف البحري ودكان البيع، ينشأ شباك إداري ثالث بينهما. لا يميل الاقتصاد الموجه في الجزائر إلى إصلاح آلياته، بل يراكم الطبقات البيروقراطية فوق بعضها.

تبرز بيانات الديوان الوطني للإحصائيات حجم المأزق القائم؛ ففي غشت 2026، ارتفعت أسعار المواد الطازجة بنسبة 4.7% خلال شهر واحد، وقفز الدجاج بنسبة 40.5%، والفواكه بنسبة 22.8%، لتبلغ زيادة أسعار الاستهلاك 8.3% على أساس سنوي. تأتي هذه الأرقام بالتزامن مع إعلان وزير الطاقة تحقيق 37.5 مليار دولار من عائدات المحروقات خلال تسعة أشهر. لم تشهد البلاد وفرة مالية من مداخيل النفط مثل اليوم، ولم يسبق لمواطنيها أن اشتروا الدجاج بمثل هذا الغلاء.

يبقى المثير للدهشة في هذه القضية هو صدمة الحكومة نفسها؛ إذ بدا مجلس الوزراء وكأنه يكتشف للتو بيع اللحم المستورد بسعر المحلي، وهو المعطى الذي يعرفه كل مواطن جزائري يقصد السوق منذ ثلاث سنوات. يبدو أن أصحاب القرار يحتاجون إلى اجتماعات رسمية في القصر لإدراك ما يجري في الشارع.

قد يكشف التحقيق في نهاية المطاف عمن التهم اللحم، لكنه بالتأكيد لن يجرؤ على الإشارة إلى من أعد المائدة.

تحرير من طرف محمد ولد البواه
في 21/10/2026 على الساعة 14:00