تحدث عن المغرب والنظام الجزائري والسجن: بوعلام صنصال أو قوة الوضوح في مواجهة الجنون

الكاتب والأكاديمي، بوعلام صنصال خلال استضافته في « Le Grand Témoin » يومه الخميس 29 أكتوبر 2027 بالدار البيضاء. (A.Gadrouz/Le360)

في 31/10/2026 على الساعة 08:00

فيديوفي إطار سلسلة ندوات « Le Grand Témoin » التي ينظمها Le360، قدم الكاتب والأكاديمي بوعلام صنصال، يوم الخميس 29 أكتوبر يالدار البيضاء، تحليلا عميقا لمسيرته كمعارض، ونضاله من أجل حرية الفكر في مواجهة الهمجية، والتوترات الراهنة في المنطقة. ومن خلال إشادة قوية بالنضج الاستراتيجي للمغرب، وانتقاد لاذع للمأزق العسكري الذي يتخبط فيه النظام الجزائري، يقدم الكاتب صاحب المسيرة الاستثنائية مرافعة قوية من أجل الوضوح والحقيقة.

يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، عاشت الدار البيضاء على وقع لقاء فكري رفيع المستوى. ففي إطار سلسلة ندوات « Le Grand Témoin » التي ينظمها Le360، وفرت العاصمة الاقتصادية منصة استثنائية للكاتب بوعلام صنصال، الذي انتخب عضوا في الأكاديمية الفرنسية في يناير 2026.

وقد حظي الكاتب باستقبال حافل من جمهور غفير، في لحظة لقاء مؤثرة مع المملكة، التي حال بينه وبين زيارتها، لأكثر من عقد من الزمن، إغلاق الحدود والتوترات الجيوسياسية. وفي مستهل حديثه، عبر صنصال عن مشاعر فرحه قائلا: « لا تدركون حجم التأثر الذي انتابني عند وصولي إلى المغرب. فأنا أنحدر جزئيا من أصول مغربية، ولطالما حلمت بزيارة المغرب منذ فترة طويلة ».

لم يكن هناك ما يوحي بأن هذا العقل الصارم، الذي تلقى تكوينا في الرياضيات والمعلوميات، والحاصل على دكتوراه في الاقتصاد، والذي عمل سابقا كموظف سام وتعاون مع وكالة ناسا في مجال منصات إطلاق الصواريخ، سيتحول ليصبح واحدا من الأصوات القوية في الأدب المعاصر.

بوعلام صنصال، المعتاد على عالمٍ تحكمه العقلانية، اصطدم فجأة بجنون وطنه الأم. وقال: « من الصعب للغاية العيش في ظل حكام مجانين. فإما أن تسايرهم في لعبتهم وتتصرف كمجنون مثلهم، أو تتمرد عليهم فتصبح في نظرهم شخصا خطيرا ». وجاءت نقطة التحول الحاسمة مع مأساة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، تلك الحقبة التي شهدت عنفا مروعا وغير مسبوق، حصد أرواح أكثر من 300 ألف شخص، ودفعت بمئات الآلاف من الجزائريين إلى المنفى.

وأشار صنصال قائلا: « الحرب الأهلية هي حرب ضد الذات نفسها، حتى لو تطلب الأمر التضحية بالأبناء، وبالعائلة، وبالقيم. إنها حرب تبدأ فصولها أولا داخل الأسر ». وأمام الانهيار الأخلاقي والمادي الذي أصاب البلاد، تلاشت كل الأطر التحليلية التقليدية. وحينها، سعى صنصال، برفقة مجموعة من المثقفين والكتاب الجزائريين الذين كانوا يواجهون تهديدات من الإسلاميين المتطرفين ومن السلطة على حد سواء، إلى تحديد معاني الكلمات في مواجهة هذه الفظاعات.

ويتذكر الكاتب تلك المرحلة قائلا: « وجدنا أنفسنا أمام أقدم سؤال عرفته البشرية: ماذا تعني الكلمات؟ ما هو السلام؟ ما هي الحرب؟ من هو الآخر؟ وما هي العدالة؟ فما دمنا عاجزين عن الإجابة على هذه الأسئلة، سنظل تحت رحمة الأحداث ».

وباستلهام من قراءاته التأسيسية (أرخبيل غولاغ لألكسندر سولجينيتسين، وإرث ألبير كامي، الذي كان يسكن في الحي ذاته معه في بلكور، وكانت والدة صنصال هي من تتولى علاج والدة كامي)، أدرك صنصال أن مفتاح النجاة يكمن في التحرر من الخوف.

طغيان الكذب الرسمي

مدفوعا برفضه للخوف، أصدر بوعلام صنصال عام 1999 روايته الأولى « قسم البرابرة » (Le serment des Barbares). وبدلا من اللجوء إلى أساليب التلميح السهلة، اختار المواجهة المباشرة مع النظام القائم، متمسكا بتعاليم ألبير كامي: إن تسمية الأشياء بغير أسمائها الصحيحة تزيد من بؤس العالم. وقال الأكاديمي بنبرة ساخرة: « يجب تسمية الأشياء بأسمائها. في روايتي الأولى، حرصت على فعل ذلك. فذكرت اسم الرئيس، واسم جنرال بأسمائهم. فالوضوح يؤدي إلى انكشاف الحقائق بشكل طبيعي للغاية، وهو سلاح فعال جدا في مواجهة الغباء ».

ويتذكر صنصال، بشيء من الدعابة، رد فعل ناشره أنطوان غاليمار الذي، خوفا على سلامته، اقترح عليه استخدام اسم مستعار. وقال صنصال: « حسم كل شيء في تلك المحادثة التي استغرقت خمس دقائق. في تلك اللحظة تبلورت هويتي بشكل نهائي: قررت أن أظل كما أنا ».

هذه الصرامة في مواجهة السردية الوطنية المزيفة، التي يصفها بأنها « منبع للعنف » يغذيه الضغينة، كلفه ثمنا باهظاً، إذ تعرض للإقصاء، وفقد منصبه كموظف سام، وواجه مؤخرا صداما مباشرا مع القضاء انتهى به إلى السجن في الجزائر. لكن بالنسبة لهذا الكاتب، لم تكن المساومة خيارا مطروحا على الإطلاق.

الحقيقة التاريخية كجريمة

إلى جانب أعماله الأدبية، اقترنت مسيرة بوعلام صنصال بتجربة الاعتقال والاضطهاد على يد النظام الجزائري. لم يكن هذا السجن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة لمواقفه الصريحة، ولا سيما تصريحاته حول مغربية أراض تاريخية تقع في غرب الجزائر، وهي حقائق تعد من المحظورات التي ترفض السلطة القائمة مواجهتها رفضا قاطعا.

إن التصدي للسردية الرسمية وللأساطير المؤسسة للطغمة الحاكمة عرض الكاتب لبطش الرقابة والقمع القضائي. وحين سئل عن الثمن الباهظ الذي دفعه مقابل هذه الحرية في التعبير، أكد الكاتب تمسكه بكل كلمة قالها، مبرهنا على صلابة لا تلين، ومخلصا لرفضه القاطع لأي مساومة أو مهادنة. وقد شدد قائلا: « حين تختار الوضوح وتسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، فأنت تدرك تماما ما ينتظرك في مواجهة نظام لا يعرف لغة سوى لغة القمع والرقابة. لم أندم على أي شيء. فالاستسلام للخوف أو الصمت يعني التخلي عن إنسانيتك ».

« خوض الحرب... دون خوضها »

وفي معرض حديثه عن العلاقات الثنائية والعداء المتكرر من جانب الجزائر، طرح بوعلام صنصال المغرب كنموذج مثالي للنضج الجيوسياسي. وقد أشاد بهذه المقاربة قائلا: « إن تعامل المغرب مع هذا العداء الجزائري يمثل نموذجا لكيفية حل المشكلات بين الدول. فوراء ذلك رؤية، ومدرسة قائمة بذاتها ».

وفي مقارنة لافتة بين القوة الغاشمة والذكاء الاستراتيجي، أوضح صنصال قائلا: « لقد لجأت الجزائر إلى الأساليب المعتادة للقوة: تحديد العدو والإعلان عما تنوي فعله. إنه نهج يتسم بعنف شديد، ولا يؤدي إلا إلى الحرب وسقوط الكثير من الضحايا، ثم لا شيء بعد ذلك. وفي المقابل، ابتكر المغرب أسلوبا جديدا لخوض الحرب دون خوضها فعليا. إنه أشبه برياضة الجودو، حيث يعتمد على المرونة والقدرة على المناورة والاستشراف. فالمغرب خصم لا يمكنك الإمساك به ».

كما أشاد بقدرة المملكة على تجاوز الفخاخ السياسية بفضل الديمقراطية و الحيوية المؤسساتية. وعلق الكاتب قائلا: « لقد نجح المغرب أخيرا في وضع حد للإسلاموية من خلال الديمقراطية. فقد وصل الإسلاميون إلى السلطة عبر الانتخابات، وفقدوها أيضا عبر الانتخابات. وهذا أمر رائع ».

وفي تحليل لا يداهن النظام، تناول الكاتب الأزمة العميقة التي تشل الجزائر، الغارقة في منطق عسكري متجاوز. وأوضح بوعلام صنصال قائلا: « لقد انخرط النظام الجزائري في مغامرة عدائية ضد المغرب. فهو يسعى إلى خوض حرب، ويحتاج إليها لأسباب شتى: كاستمرار لحرب الاستقلال التي لم تنته بعد، ولتصفية حسابات، ولمحاولة اكتساب الشرعية... إنه أسير لتلك الأيديولوجيا التي ترى بأن الدولة لا يمكن أن تفرض نفسها إلا من خلال العنف ». وفي معرض حديثه عن بنية السلطة، اختصر صنصال المأزق المؤسساتي بعبارة لاذعة تصف التباين بين الواجهة المدنية والواقع العسكري: في هذه البنية « ليس عبد المجيد تبون إلا دمية ».

ولا يبدو أن الأمور ستتغير. فاستفزازات النظام الجزائري تجاه المغرب لن تتوقف في القريب العاجل. فبالنسبة لبوعلام صنصال، لا شك في أن التصعيد الجزائري سيستمر طالما ظل المتمسكون بالوضع الراهن يحكمون قبضتهم على السلطة في الجزائر. وبالتالي، فإن مستقبل التفاهم الأخوي بين الشعبين الجارين مرهون بحدوث تحول تاريخي: « أي تغيير في العلاقات بين البلدين يتطلب حتما تغييراً في النظام الجزائري. فما دام هذا النظام، الذي يقتات على أسطورة العنف، هو من يتولى الحكم، فسيظل التوتر قائما بشكل دائم. لكن الحقيقة والحرية ستنتصران في نهاية المطاف على الظلام ».

تحرير من طرف طارق قطاب
في 31/10/2026 على الساعة 08:00