ماذا حدث لأسعار اللحوم الحمراء بعد شهر من عيد الأضحى؟

جزار لحوم حمراء بمدينة فاس

في 28/06/2026 على الساعة 12:13

فيديوبعد مرور شهر على عيد الأضحى المبارك، ما تزال أسعار اللحوم الحمراء تحافظ على مستويات قياسية غير مسبوقة، في وقت كان المستهلكون يراهنون على عودتها إلى مستويات أكثر اعتدالا مع انتهاء موسم العيد. غير أن الواقع داخل أسواق مدينة فاس يكشف صورة مغايرة، حيث بات الغلاء سيد الموقف، بينما يخيم ركود واضح على محلات الجزارة في مختلف أحياء المدينة، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وعزوف عدد كبير من الأسر عن اقتناء اللحوم.

وعاينت كاميرا Le360 خلال جولة ميدانية بكل من سوق الطالعة الكبرى بالمدينة العتيقة، ومنطقة بنسودة ومحلات وسط مدينة فاس، ركودا غير مسبوق في حركة البيع والشراء داخل محلات الجزارة، بعدما أصبحت الأسعار المرتفعة تشكل عائقا أمام شريحة واسعة من المواطنين، الذين اضطر كثير منهم إلى تقليص استهلاكهم أو التخلي عنه بشكل مؤقت.

وفي هذا السياق، أكد عز العرب الشرايبي، أمين الجزارين بالطالعة الكبرى، في تصريحه لموقع le360، أن أسعار اللحوم الحمراء بلغت مستويات غير مسبوقة، موضحا أن سعر لحم الأبقار بالجملة يتراوح حاليا ما بين 105 و110 دراهم للكيلوغرام، فيما يتراوح سعر لحم الأغنام بين 140 و150 درهما، قبل أن ترتفع الأثمان عند البيع بالتقسيط لتصل إلى حوالي 160 درهما للكيلوغرام، في زيادات طالت اللحوم المحلية والمستوردة على حد سواء.

وأرجع الشرايبي هذه الارتفاعات إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها التراجع الكبير في القطيع الوطني بعد عيد الأضحى، خاصة بعد ذبح أعداد مهمة من إناث الأغنام، وهو ما أدى إلى تقلص العرض مقابل استمرار الطلب، كما أشار إلى توقف استيراد بعض السلالات التي كانت تساهم في تزويد السوق، مثل أغنام « الميرينوس »، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والأعلاف والنقل والشحن، عوامل انعكست بشكل مباشر على الأسعار.

ومن جانبه، قال توفيق الدحيوي، وهو جزار بالطالعة الكبرى، إن هذه هي المرة الأولى التي تبلغ فيها أسعار اللحوم الحمراء هذا المستوى في سوق التقسيط، مبرزا أن عيد الأضحى هذه السنة مر في ظروف استثنائية بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الماشية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على المواطن والجزار على حد سواء، مؤكدا أن محدودية العرض اليوم تظل العامل الأساسي المتحكم في الأسعار، ما يؤدي تلقائيا إلى ارتفاع الأثمان وتقليص الخيارات أمام المستهلكين.

وأوضح الدحيوي أن استئناف العمل بعد العيد لم يغير من واقع السوق، حيث سجلت محلات الجزارة ركودا كبيرا خلال الأيام الأخيرة، مضيفا أن أسعار البيع للمستهلك تختلف حسب نوعية القطعة وجودتها، فالقطع العادية من لحم الأبقار تباع في حدود 150 درهما للكيلوغرام، بينما يصل سعر اللحم المفروم إلى نحو 120 درهما، في حين تتراوح أسعار القطع الممتازة، مثل « الكوتليت » و« الفيليه« ، ما بين 190 و200 درهم للكيلوغرام.

وأضاف المهني أن المغرب أصبح يعتمد حاليا على عدد محدود من الأسواق الخارجية لتأمين وارداته من الأبقار، بعد تعليق الاستيراد من عدد من الدول الأوروبية، وهو ما ساهم في الضغط على القطيع الوطني، موضحا أن البرازيل والأوروغواي أصبحتا المزودين الرئيسيين للمملكة، غير أن أسعار الأبقار بهذين البلدين عرفت بدورها ارتفاعا ملحوظا، وصل إلى حوالي 20 في المائة بالنسبة للأبقار البرازيلية، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما تتراوح أسعار الأبقار المستوردة الأقل تكلفة في سوق الجملة بين 85 و90 درهما للكيلوغرام، لتباع للمستهلك في حدود 100 درهم حسب الجودة.

وفي المقابل، حمل أحد الجزارين أسباب الأزمة أيضا إلى هيمنة الوسطاء وكبار المتدخلين في سلاسل التوزيع، معتبرا أن ما يعرف بـ« الشناقة » أو « السبايبية » يقطعون العلاقة المباشرة بين الفلاح والجزار، عبر شراء الماشية وإعادة بيعها بأثمان مرتفعة، قبل أن تصل إلى كبار الوسطاء، وهو ما يضاعف الأسعار ويقلص هامش ربح الجزار البسيط، الذي لا يتجاوز في كثير من الأحيان ما بين 5 و10 دراهم للكيلوغرام.

ولم يقتصر تأثير هذه الأزمة على محلات الجزارة فقط، بل امتد إلى أصحاب محلات الوجبات السريعة، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مراجعة أسعار منتجاتهم لمواكبة الزيادة الكبيرة في تكلفة المادة الأولية، حيث أوضح أحد باعة الوجبات السريعة بمدينة فاس في تصريح لـle360، أن سعر سندويتش اللحم المفروم تضاعف خلال الفترة الأخيرة، بعدما كان يباع في حدود 10 دراهم، ليصل اليوم إلى 25 درهما، وهو ما انعكس سلبا على الإقبال خاصة من طرف أصحاب الدخل المحدود والعمال والطلبة، الذين كانوا يشكلون الزبناء الرئيسيين لهذا النوع من الوجبات، متسائلا باستغراب: «إذا أصبح ثمن سندويتش بسيط يبلغ 20 درهما، فكيف سيتمكن المواطن البسيط من تدبير مصاريفه اليومية؟».

وتجمع مصادر مهنية على أن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، في مقدمتها توالي مواسم الجفاف التي أثرت بشكل كبير على القطيع الوطني، إلى جانب الارتفاع المستمر في أسعار الأعلاف وتكاليف النقل والشحن، فضلا عن تعدد الوسطاء داخل سلسلة التوزيع.

وأمام استمرار هذا الوضع، وجد عدد متزايد من المواطنين، خاصة من ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة، أنفسهم مضطرين إلى تغيير عاداتهم الاستهلاكية والتوجه نحو لحوم الدواجن، التي عرفت خلال الأسابيع الأخيرة تراجعا في الأسعار، لتصبح البديل الأكثر ملاءمة لميزانيات الأسر، في انتظار انفراج أزمة اللحوم الحمراء وعودة الأسعار إلى مستويات أكثر توازنا.

تحرير من طرف يسرى جوال
في 28/06/2026 على الساعة 12:13