وبدأت فصول هذا التوتر بمذكرة مطلبية مستعجلة وجهها المكتب الموحد بتاريخ 10 شتنبر 2026، طالب فيها بعقد لقاء مستعجل مع الإدارة لتدارس مجموعة من الإشكالات التي قال إنها تؤثر على ظروف العمل وسير عدد من المصالح، خاصة المركز الجهوي للأنكولوجيا، حيث شملت هذه المؤاخذات النقابية الخصاص في الموارد البشرية، وظروف العمل واللوجستيك والتجهيزات، وتنظيم العمل والحراسة ومراقبة الحضور، إلى جانب مجموعة من الإشكالات المرتبطة بمصالح الأشعة والجراحة والصيدلية، فضلا عن قضايا إدارية واقتصادية واجتماعية.
غير أن النقابة لم تتأخر في التصعيد، بعدما اعتبرت أن الرد على طلبها تأخر لنحو 20 يوما، وأن إحالة الإدارة على طلب سابق، في ظل ما وصفته بتفاقم الأوضاع، لا يرقى إلى مستوى الانتظارات، معتبرة أن ذلك يعكس غياب التجاوب المطلوب مع الملفات المطروحة.
وفي بلاغ صدر يوم 25 شتنبر الجاري، صعَّد المكتب الموحد لهجته، متحدثا عن استنفاذ آليات الحوار، وعن استمرار ما وصفه بـ”إفلاس الإدارة الحالية في تدبير المرفق العام”، فضلا عن التضييق على الحقوق الاجتماعية والمهنية والمادية لمختلف الفئات، حيث وضعت النقابة على رأس مطالبها سد الخصاص في الموارد البشرية، وتسوية مستحقات الرتبة والدرجة والسنوات الاعتبارية، وصرف تعويضات التنقل المتراكمة منذ سنة 2023، وتسوية تعويضات المداومة، إلى جانب الإعلان عن الحركة الانتقالية الداخلية والخارجية وتدارك ما تعتبره اختلالات في تدبيرها.
كما طالبت بالإعلان عن جداول الترقي بالتنقيط واحترام المساطر القانونية، وتسوية وضعية مداومة محضري الصيدلية، ومعالجة الاختلالات الإدارية واللوجستية والتنظيمية، ومشاكل التواصل واحترام السلم الإداري، فضلا عن وضع حد لما وصفته بالشطط والانتقائية في مراقبة الحضور، ومعالجة النقص في المستلزمات الطبية الأساسية، معلنة في خضم هذا التصعيد، عن برنامج احتجاجي، تضمن إضرابا إنذاريا لمحضري الصيدلية بالصيدلية المركزية، ووقفة احتجاجية أمام الإدارة العامة للمركز يوم فاتح أكتوبر الماضي، مع التلويح بخطوات تصعيدية أخرى، تشمل إضرابات ومسيرات احتجاجية.
في المقابل، اختارت إدارة المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة الرد عبر بيان توضيحي صدر في 28 شتنبر الماضي، قدمت من خلاله معطيات مفصلة حول عدد من الملفات التي أثارتها النقابة، مؤكدة أن تدبيرها يتم في إطار القوانين والمساطر الجاري بها العمل.
وبخصوص الترقية في الدرجة والرتبة، أوضحت الإدارة أن مستحقات الترقية عن طريق امتحانات الكفاءة المهنية المنظمة برسم سنة 2025، وكذا مستحقات الناجحين بسلك الماستر الذين استأنفوا عملهم في نونبر 2025، ستتم تسويتها ابتداء من شهر أكتوبر الجاري، مشيرة إلى أن الترقية بالاختيار برسم سنة 2026، فأكدت الإدارة أنها تخضع للشروط والضوابط القانونية، من خلال دراسة الملفات بشكل فردي، واحترام مسطرة التنقيط السنوي وتقييم المستخدمين، قبل حصر اللوائح الأولية وجداول الترقي، مشددة على أن هذه العملية تستلزم بطبيعتها مدة زمنية لاستكمال مختلف مراحلها.
وفي ما يتعلق بامتحان الكفاءة المهنية برسم سنة 2026، أعلنت الإدارة عن تنظيمه لفائدة فئة الممرضين وتقنيي الصحة خلال شهر دجنبر المقبل، على أن يتم تنظيم الامتحانات الخاصة بباقي الفئات وفق الجدولة التي تحددها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
وبخصوص ملف السنوات الاعتبارية، أكدت الإدارة أنها واكبت مختلف مراحل الملف المتعلق بتغيير المرسوم رقم 2.17.535، إلى حين استكمال المسطرة وإحالته على مركز المعالجة المختص، مشيرة إلى استفادة أكثر من 239 مستخدمة ومستخدم من المنتمين إلى الدرجة الأولى من إطار الممرضين وتقنيي الصحة، في حين يرتقب، حسب الإدارة، تسوية وضعية 119 منتميا إلى الدرجة الممتازة في متم شهر أكتوبر.
وفي ملف التعويضات، قالت الإدارة إنها أدرجت الاعتمادات اللازمة لصرف تعويضات الحراسة بالصيغة الجديدة ضمن ميزانية المركز منذ سنة 2024، كما راسلت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية من أجل توحيد طريقة الاحتساب، خاصة بعد صدور القرار الوزاري المؤطر لهذه العملية.
وبالنسبة لتعويضات التنقل، أكدت الإدارة أنها صرفت أكثر من 90 في المائة من المستحقات الخاصة بسنة 2023، على أن تتم معالجة مستحقات سنتي 2024 و2025 قبل نهاية السنة الجارية، فيما أوضحت أن ملفات تعويضات الصندوق والمداومة والإلزامية الخاصة بسنتي 2025 و2026 توجد بدورها في طور التسوية.
هذه التوضيحات لم تقنع النقابة، التي اعتبرت أن بيان الإدارة لا يتجاوز، في نظرها، محاولة لامتصاص الغضب و”تغليف للعجز بالوعود”، منتقدة خصوصا غياب آجال دقيقة لتسوية عدد من الملفات، حيث سجل المكتب الموحد، في رده، أن الإدارة لم تحدد سقفا زمنيا واضحا لإتمام الترقية بالاختيار، واكتفت بالإشارة إلى استيفاء الشروط القانونية، دون تحديد تواريخ تقريبية لحصر اللوائح، وعقد اجتماعات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء.
كما رفضت النقابة، بحسب ردها، تحميل الموظفين مسؤولية التأخر في مسطرة التنقيط السنوي، مشيرة إلى أن بطاقات التنقيط تسلم قبل فاتح أكتوبر، في حين اعتبرت أن بيان الإدارة لم يقدم توضيحات كافية بشأن كيفية تنظيم امتحانات الكفاءة المهنية بالنسبة إلى باقي الفئات.
وفي ما يخص السنوات الاعتبارية، قللت النقابة من أهمية ما أعلنته الإدارة، معتبرة أن المبالغ التي استفاد منها بعض الممرضين من الدرجة الأولى، والتي قالت إنها لا تتجاوز في أقصاها نحو 700 درهم، لا ترقى إلى مستوى تسوية شاملة للملف، متمسكة بموقفها من تعويضات الحراسة، معتبرة أن الأمر يتعلق بمهام مهنية شاقة ومسؤوليات تفرضها طبيعة العمل الاستشفائي، وليست امتيازا أو خدمة تطوعية يمكن تأجيل مستحقاتها بدواع إدارية.
أما الحركة الانتقالية، فاعتبرت النقابة أن ربط الحركة الخارجية بتوفر المناصب المالية والقول بأنها “قيد الدراسة” لا يقدم جوابا ملموسا للأطر المعنية، بينما أثارت أيضا ما وصفته بضبابية وغياب الشفافية في نتائج الحركة الانتقالية الداخلية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه النقابة التشبث بخيار التصعيد، تؤكد إدارة المركز، وفق توضيحاتها، أن أبواب الحوار والتواصل مفتوحة، وأن معالجة مختلف الملفات تتم وفق القوانين والمساطر المعمول بها وبما يراعي في الوقت نفسه استمرارية المرفق الاستشفائي.
وفي هذا السياق، أكد مصدر من إدارة المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة أن الإدارة، ومنذ تسلم المدير الجديد زمام المسؤولية، شرعت في معالجة مختلف الملفات العالقة، وأن عددا من المطالب التي ظلت مطروحة منذ فترة دخلت فعلا مرحلة التسوية، فيما ترتبط ملفات أخرى بمساطر وقرارات تتجاوز في بعض جوانبها الصلاحيات المباشرة لإدارة المركز.
وبينما ترى النقابة أن الوعود والتبريرات الإدارية لم تعد كافية، وتطالب بآجال واضحة ونتائج ملموسة، تتمسك الإدارة بكونها تشتغل على الملفات المطروحة وفق المساطر القانونية وبمنطق تدريجي يراعي الإمكانيات والالتزامات المرتبطة بتدبير مرفق استشفائي جامعي.
وهكذا، يبدو حسب متابعين، أن جوهر الخلاف الحالي لا يرتبط فقط بوجود الملفات المهنية والاجتماعية، إذ تقر الإدارة نفسها بوجود عدد من الملفات، وتعلن عن آجال أو مراحل لمعالجتها، وإنما يتمحور بدرجة أكبر حول سرعة التسوية، ووضوح الآجال، ومدى اعتبار ما تحقق كافيا من وجهة نظر الشغيلة والنقابة.
ومع استمرار النقابة في التلويح بخطوات احتجاجية جديدة، يرى متابعون أن تدبير هذا التوتر يبقى مرهونا بقدرة الطرفين على إعادة فتح قنوات الحوار، وتحويل الوعود والالتزامات المعلنة إلى إجراءات ملموسة، بما يضمن حقوق العاملين ويحافظ في الوقت ذاته على السير العادي للخدمات الصحية داخل المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة.
