في الخامس من نوفمبر، عقد الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، اجتماعا عبر تقنية التحاضر المرئي ضم وزراءه وولاة الجمهورية. وتضمن جدول الأعمال إطلاق «منصة رقمية للمتابعة اليومية لأسعار ووفرة المواد الأساسية»، وتوجيه تعليمات صارمة للولاة باتخاذ «إجراءات قانونية وردعية فورية» ضد من يتسببون في الندرة ويتلاعبون بالأسعار. وبالترجمة إلى لغة الواقع: الدولة لا تدري أين ذهبت البطاطا، لكنها حددت مسبقا من سترمي بهم خلف القضبان.
المشهد لا يحمل أي جديد؛ إذ يُعاد تمثيله منذ خمس سنوات بالنص ذاته وبنفس السيناريو. ففي أكتوبر 2021، هدد عبد المجيد تبون في مقابلة تلفزيونية واحدة، ولأكثر من مرة، «المضاربين» بعقوبة الإعدام.
وسرعان ما تحول الوعيد إلى تشريع؛ حيث صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 ديسمبر 2021 قانون مكافحة «المضاربة غير المشروعة»، الذي نص على عقوبات تتراوح بين 10 و20 سنة سجنا بحق من يضارب في الخضار أو الفواكه أو الحبوب أو الحليب، لتصل العقوبة إلى 30 سنة في أوقات الأزمات، وللسجن المؤبد إذا ارتُكبت الأفعال في إطار جماعة منظمة. وباتت الجزائر بذلك الدولة الوحيدة في العالم التي تعاقب تاجر خضار بالعقوبات المخصصة لمهربي وتجار السلاح.
وقد سارعت المحاكم إلى تطبيق هذه التعليمات بحماس مفرط. ففي مارس 2025 ببومرداس، قضت محكمة عبر إجراءات المثول الفوري بسجن تاجر خزن نحو 150 طنا من البطاطا 15 عاما نافذة مع تغريمه 5 ملايين دينار.
وفي مستغانم، لوحق مزارعون على خلفية مقطع فيديو عبر «تيك توك» دعوا فيه لعدم جني محصولهم نظرا لانعدام الأسعار المجزية؛ وقضى القطب الجزائي المتخصص في مكافحة الجريمة الإلكترونية بسجنهم سبع سنوات، قُلصت استئنافيا في يناير 2026 إلى أربع سنوات نافذة. أربع سنوات سجنا فقط لأنهم صرحوا أمام كاميرا هاتف بأنهم يتكبدون خسائر مالية من زراعة البطاطا.
وعاد الرئيس تبون للتصعيد مجددا في الربيع. فخلال اجتماع مجلس الوزراء المنعقد في 8 مارس 2026، أمر بإدراج أسماء المضاربين في «قوائم سوداء» والمنع النهائي لأي نشاط تجاري أو استيرادي للمتورطين، وفق ما نقلته صحيفة «أوريزون» الحكومية. منع التاجر من ممارسة التجارة مدى الحياة: عقوبة تنسجم تماما مع رغبة النظام في إرساء «سوق بلا تجار».
وكان التحدي المتبقي هو تسقيف الأسعار؛ ففي الأول من أكتوبر، حدد اجتماع وزاري مشترك السعر الأقصى للبطاطا بين 80 و90 دينارا للكيلوغرام عند التجزئة، وبين 60 و70 دينارا عند الإنتاج، حسب ما أورده موقع «ألجيري-إيكو».
واستحضر التقرير سابقة مماثلة: ففي أبريل 2025، حددت الحكومة سعر الموز بـ400 دينار للكيلوغرام، لكنه بيع لاحقا في الأسواق بنحو 2000 دينار؛ فتحول السقف النظري إلى حد أدنى، ثم إلى مدعاة للسخرية.
ولم يستغرق سيناريو البطاطا سوى شهر واحد ليتبع المسار نفسه. ففي 3 نوفمبر، وثقت وسائل إعلام محلية اختفاء المادة من رفوف وطاولات عدة في شرق ولاية البويرة ومناطق متفرقة بالجزائر العاصمة.
وحيثما توفرت المادة، بيعت بين 110 و140 دينارا. وفي 5 نوفمبر، رصد موقع «أوراس» أسعارا بلغت 150 دينارا، وتجارا يفضلون سحب بضاعتهم على البيع بخسارة؛ بينما رفض وكلاء سوق الجملة الشراء بسعر والبيع بآخر يُفرض بمرسوم إداري. وهو موقف مفهوم تماما، فلا أحد مستعد للعمل من أجل تكبد الخسائر، حتى تحت طائلة التهديد.
فلجأت السلطة إلى أداتها الوحيدة المعتادة: في 3 نوفمبر، حجز أعوان الرقابة 3.5 أطنان من البطاطا في سوق الجملة ببومرداس لمخالفة الأسعار المسقفة، وفُتحت متابعات قضائية فورية، بحسب موقع «ألجيريا 360». لكن البضاعة المصادرة لن تُشبع أحدا، والتجار الملاحقون لن يبيعوا مجددا، لتزداد حدة الندرة تفاقما.
تلك هي حدود «سياسة الترهيب». قد ينجح السجن في إسكات صحفي أو ناشط أو مدوّن، لكنه حتما لا ينبت البطاطا في الحقول. فالمزارع المهدد بأربع سنوات سجنا بسبب فيديو سيقلص مساحات الزرع العام المقبل، ووكيل الجملة المهدد بخمسة عشر عاما بسبب مخزونه سيعرض أقل كمية ممكنة، والتاجر المهدد بالقائمة السوداء سيبقي طاولته خاوية على أن يبيع بالخسارة. كل تهديد يصدره النظام يسحب حصة إضافية من البضائع من السوق، وتغدو كل ندرة ذريعة جديدة لمزيد من الوعيد؛ وهكذا تدور الحلقة المفرغة.
أما المنصة الرقمية التي أُعلن عنها يوم الخميس، فلها سابقة كاشفة. ففي مايو 2026، وعلى إثر أزمة الإطارات المطاطية الحادة، أوكل النظام تسويقها لشركة «نفطال» الحكومية للمحروقات، وأطلق «منصة رقمية» لتسجيل طلبات أصحاب المركبات، وفق وكالة الأنباء الرسمية.
في جزائر تبون، لم تعد الإطارات تُشترى بل تُحجز إلكترونيا وتُستلم في مواعيد محددة وتُستعرض كإنجازات وغنائم. وفي يوليوز الماضي، أكد مدير نفطال أن استيراد 3.5 مليون إطار اعتبارا من سبتمبر سينهي الأزمة، قبل أن يرجئ وزير الطاقة محمد عرقاب وصولها في أكتوبر إلى الربع الأول من عام 2027. نالت الإطارات منصتها الرقمية، وجاء دور البطاطا لتحظى بمنصتها أيضا، دون أن تنتج أيٌّ منهما حبة قمح أو قطعة مطاط.
فالخلل الحقيقي لا يعود إلى جشع التجار؛ فمن الزيت والحليب إلى السميد والموز واللحوم وأضاحي العيد والإطارات والبطاطا، تتوالى أزمات الندرة في الجزائر على مدى خمس سنوات بتعاقب الفصول. والسيناريو متطابق دائما: تغلق السلطة أبواب الاستيراد أو تسقف الأسعار بقرارات فوقية، فيختفي المنتَج، ليوجه النظام أصابع الاتهام فورا إلى «المضاربين» أو «اللوبيات» أو «الأيادي الخارجية»، ثم يشرع في التهديد والاعتقال وإطلاق منصة رقمية بانتظار الأزمة التالية. لا تقييم للسياسات، ولا استقالات لمسؤولين، ولا وزير يملك الجرأة ليعترف بأن التخطيط الحكومي الفاشل هو الصانع الحقيقي لتلك الندرة.
هذا النمط العبثي في التسيير له توصيف واحد: «العجز والقصور التام». فنظام عاجز عن التنبؤ بموسم حصاد، أو تنظيم سوق جملة، أو استيراد إطارات في آجالها، أو ضبط قيمة عملته، يستعيض عن كفاءته بأساليب الترهيب. غير أن الخوف لم يسبق له أن ملأ أسواقا؛ بل يفرغها ويثبط عزائم المنتجين والبائعين، مكرسا يقينا وحيدا لدى الجزائريين: ما بعد البطاطا، سيأتي دور مادة أخرى لتختفي.. وحينها سيكون النظام قد جهّز بالفعل قائمة المتهمين.
