احتفالات هستيرية بنجاة «حرّاگا» تفضح واقع الجزائر.. الهروب بحرا كبديل عن أوهام «القوة الضاربة»

مشاهد فرح في الجزائر عقب وصول مهاجرين إلى إسبانيا

في 05/11/2026 على الساعة 18:00

اندلعت احتفالات ليلية في شوارع بلدية برج الكيفان بالضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية، بعد نجاح 14 شابا في بلوغ السواحل الإسبانية سرا على متن قارب سريع. يختزل المشهد قتامة المشهد العام ويأس جيل بأكمله، بينما تؤكد الأرقام الأوروبية تحول السواحل الجزائرية إلى نقطة الانطلاق الأولى للمهاجرين غير النظاميين في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وثقت مقاطع مصورة جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي خروج حشود من الشباب إلى الشوارع وسط هتافات تعالت أسفل المباني السكنية، تزامنا مع عبارات تداولتها الشاشات: «الحمد لله، وصل إخوتنا».

كان هؤلاء الشبان قد غادروا بلدتهم المعروفة تاريخيا باسم «فور دو لو» (Fort-de-l’Eau)، وظلت عائلاتهم تترقب مصيرهم بقلق لأيام، قبل أن تتلقى نبأ وصولهم إلى اليابسة الإسبانية، لتتحول اللحظة إلى احتفال شعبي يضاهي أفراح التتويج ببطولات كرة القدم.

يكشف هذا الابتهاج عن واقع بالغ الدلالة في بلد يدعي امتلاك ثروات طائلة من الغاز والنفط؛ إذ تحتفل مدينة كاملة بنجاح أبنائها في الفرار منها. لا أحد يحتفل بشهادة جامعية، أو عقد عمل، أو الحصول على مسكن، بل يقتصر الاحتفاء على النجاة من رحلة بحرية ليلية فوق متن زورق مطاطي، والظفر بالحياة في الضفة الأخرى.

تفوق على المسار الغربي وهيمنة على جزر البليار

أكدت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتيكس» أن طريق غرب البحر الأبيض المتوسط كان المسار الرئيسي الوحيد للمهاجرين « الحرّاقا » نحو أوروبا الذي سجل تصاعدا لافتا خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026.

ورصدت الهيئة الأوروبية نحو 18 ألفا و300 عملية عبور غير نظامية، بزيادة ناهزت 26 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق، مشيرة بوضوح إلى تصدر الجزائر قائمة دول الانطلاق واحتلال رعاياها صدارة الجنسيات الوافدة.

ينفرد الجزائريون بشبه هيمنة مطلقة على المسار البحري المؤدي إلى أرخبيل البليار. تفيد بيانات وزارة الداخلية الإسبانية، التي أوردتها صحيفة «لا فوز دي إيبيزا»، بوصول 7188 مهاجرا إلى الأرخبيل على متن 399 قاربا بين فاتح يناير و31 أكتوبر 2026، بزيادة قدرها 14.5 بالمئة عن سنة 2025.

وتحولت جزر إيبيزا وفورمينتيرا وفق هذه الوتيرة إلى وجهة تستقبل ما يوازي سكانا من حي عاصمي جزائري كامل كل شهرين.

ورصدت المنظمة الدولية للهجرة مؤشرات مقلقة تؤكد اتساع رقعة هذا الاستنزاف؛ إذ شكل الجزائريون 42 بالمئة من مجموع المهاجرين الذين وطئت أقدامهم إسبانيا عبر غرب المتوسط خلال الثلث الأول من السنة، وهو رقم يمثل ضعف نسبة الوافدين المغاربة البالغة 22 بالمئة.

وكشف التقرير عينه عن معطى لافت تمثل في هبوط عمليات الاعتراض التي نفذتها البحرية الجزائرية بنسبة 37 بالمئة على أساس سنوي؛ مما يعكس تناميا في رحلات الانطلاق مقابل تراجع مستويات التوقيف في المياه الإقليمية.

حصاد الموت وصمت السلطة

لا تشكل أعداد الواصلين سوى جانب محدود من المأساة، بينما تبتلع الأعماق بقية المغامرين. فقد سجلت المنظمة الإسبانية غير الحكومية «كاميناندو فرونتيراس» مصرع وفقدان 507 أشخاص على المسار الجزائري بين شهري يناير وماي 2026، بارتفاع بلغت نسبته 54 بالمئة على أساس سنوي، ليعادل ذلك فقدان غريق كل سبع ساعات، ويصنف المسار الجزائري كأكثر الطرق البحرية فتكا نحو إسبانيا.

وعاشت عائلات جزائرية أخرى مأساة الانتظار تزامنا مع احتفالات برج الكيفان؛ حيث أطلقت شبكة «ألارم فون» المعنية بالإنقاذ نداء في 29 أكتوبر إثر انقطاع أخبار عشرين شخصا انطلقوا من سواحل بومرداس يوم 26 أكتوبر صوب البليار، دون ورود أي معطيات تكشف مصيرهم حتى الآن.

تتطلب هذه المغامرات تعبئة موارد مالية ضخمة؛ إذ كشفت تحقيقات الشرطة الإسبانية عقب تفكيك شبكات للتهريب أن تكلفة الفرد الواحد تتراوح بين 8 آلاف و10 آلاف يورو. تعادل هذه المبالغ، وفق أسعار التداول في ساحة «بور سعيد» بالجزائر العاصمة، ما بين 2.2 و2.8 مليون دينار جزائري، وهو ما يوازي مدخول سنوات من العمل بالحد الأدنى للأجور؛ الأمر الذي يدفع العائلات إلى بيع مدخرات الحلي والمركبات والأراضي لتمويل رحلات أبنائها.

تلوذ السلطات الجزائرية بالصمت التام إزاء هذا النزيف البشري؛ فلا إحصائيات رسمية ترصد الظاهرة، ولا بيانات تحصي المفقودين، ولا تصريحات تصدر عن قصر المرادية. وتفضل الصحافة الرسمية تركيز اهتمامها على ترويج مشاريع المناجم وخطابات الإنجازات، بينما تأتي كافة المعطيات الميدانية حصرا من مدريد وبروكسيل والمنظمات الإنسانية المستقلة.

ويدرك شباب برج الكيفان وباقي المدن الجزائرية دلالات هذه الحسابات؛ يعرفون قيمة رواتبهم بالدينار، وتكاليف شبكات التهريب، وأسماء رفاقهم الغارقين في البحر. لا تعكس احتفالاتهم غيابا للوعي، بقدر ما تمثل تصويتا بالهروب، وهو الخيار الوحيد المتاح أمامهم للنجاة.

تحرير من طرف محمد شاكر علوي
في 05/11/2026 على الساعة 18:00