الطماطم تلامس 18 درهما للكيلوغرام.. تفاصيل أزمة الإنتاج وسلسلة المضاربات

مهنيون يوضحون أسباب ارتفاع أسعار الطماطم قبيل رمضان

صناديق من الطماطم في إحدى ساحات سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء

في 03/11/2026 على الساعة 09:15

قفزت أسعار الطماطم في محلات التقسيط بالمغرب إلى عتبة 18 درهما للكيلوغرام، في موجة غلاء مفاجئة أثارت استياء واسعا في صفوف المستهلكين.

ويرجع هذا الارتفاع الصاروخي بالأساس إلى تراجع حاد في مردودية حقول سوس ماسة، المزود الرئيسي للمملكة بالطماطم الشتوية بنسبة 75 في المائة، حيث هوى إنتاج الهكتار الواحد من 200 طن إلى قرابة 90 طنا فقط، وفق ما أكده أمين أمانة الله، منتج ومصدر الخضراوات البواكير بالمنطقة، بالتزامن مع تفشي فيروسات نباتية، وغلاء المحروقات، وتشعب حلقات الوساطة التجارية.

وعلى منصات التواصل الاجتماعي، توالت تدوينات المواطنين المعبرة عن الاستغراب، إثر تسجيل مستويات قياسية لأسعار الطماطم المستديرة، وسط تساؤلات عن دوافع وصولها إلى هذا السقف لدى الباعة النهائيين.

وفي المقابل، تسجل أسواق الجملة مستويات سعرية أقل بكثير؛ إذ استقر سعر الكيلوغرام في سوق الجملة بالرباط عند 13 درهما، في حين حصر التقرير الأسبوعي الأخير لأسعار الجملة بالدار البيضاء السعر في حدود 9 دراهم فقط.

سوس ماسة.. خزان التموين الشتوي تحت وطأة الحرارة

وفي سياق رصد مسار الأزمة، أوضح أمين أمانة الله، في تصريح لـLe360، أن الحملة الفلاحية الشتوية تمتد من نونبر إلى متم شهر ماي، وهي الفترة التي تهيمن فيها جهة سوس على تموين السوق الداخلية.

وأفاد المتحدث بأن «نحو 75 في المائة من الطماطم التي تضخ في الأسواق خلال فصل الشتاء تأتي من منطقة أكادير»، مؤكدا أن أي انخفاض في إنتاج هذه المنطقة ينعكس مباشرة على التموين في مختلف ربوع الوطن.

وارتباطا بالعوامل المناخية، بين المهني ذاته أن موجات الحر الشديد التي شهدها شهر غشت المنصرم أربكت نمو المزروعات وأخرت نضج المحصول، مشيرا إلى أن هذا التعثر لم ينحصر في الطماطم وحدها، بل طال عموم الخضراوات بالمنطقة.

معضلة البذور وتفشي الفيروسات

وعلى صعيد السلامة النباتية، تواجه الضيعات الفلاحية مأزقا حقيقيا في جودة المدخلات؛ إذ كشف أمانة الله أن أصناف البذور المتداولة منذ سنتين أو ثلاث لم تعد تقوى على مقاومة الأمراض الفتاكة، بالتزامن مع استيطان فيروسات خطيرة بالمنطقة، وهو ما يضع المهنيين أمام حاجة ملحة إلى «بذور قادرة على الصمود أمام هذه الطفيليات مع الحفاظ على وفرة المردود».

ودفعت هذه الوضعية المعقدة بعض المزارعين إلى اتخاذ قرارات حاسمة، فبمجرد اصطدامهم بغياب أصناف مقاومة، تخلوا تماما عن زراعة الطماطم المستديرة واتجهوا نحو محاصيل أخرى.

واتخذ فلاحون آخرون تدابير جذرية تمثلت في اقتلاع الشتلات وهي في طور النمو لتعويضها بزراعات بديلة، أو إعادة غرس الطماطم من جديد ومواجهة المجهول.

تراجع المحصول إلى النصف وتصاعد كلفة الإنتاج

وانعكست هذه الضربات المتتالية مباشرة على المردودية في الهكتار، حيث بصمت المواسم الأخيرة على انحدار غير مسبوق في حجم الغلة.

وأكد أمانة الله هذا التراجع قائلا: «اعتدنا جني ما بين 180 و200 طن في الهكتار، غير أننا اليوم لا نتجاوز عتبة 90 إلى 100 طن، وهو فارق هائل يقلص الإنتاج إلى النصف تقريبا».

وترتب عن هذا الانخفاض ارتفاع تلقائي في التكلفة الإجمالية للكيلوغرام الواحد على الفلاح؛ بحكم بقاء المصاريف الثابتة على حالها رغم تراجع حجم المحصول.

وفضلا عن تراجع المردود، التهبت أسعار المدخلات الفلاحية، وفي مقدمتها الأسمدة، حيث أوضح المنتج أن المهنيين كانوا يستوردون كميات كبيرة من منتجات سماد «NPK» (المركب الفوسفاتي المغذي للتربة) من المملكة العربية السعودية، والتي كانت تساهم بمعية منتجات المجمع الشريف للفوسفاط «OCP» في إبقاء تكلفة المحاصيل ضمن مستويات معقولة.

بيد أن هذا التوازن اختل إثر التوترات الإقليمية في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي قاد إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتأخر وصول السفن، وهو ما تسبب في شح حاد في السوق ورفع أسعار المادة الفعالة ومستلزمات التغذية النباتية.

وانضم الغازوال إلى قائمة العوامل الضاغطة على ميزانيات الاستغلاليات، بعدما أدى ارتفاع أسعار المحروقات إلى زيادة كلفة نقل المحصول النهائي.

وقدم أمانة الله معطيات رقمية حول حجم الأعباء، مشيرا إلى أن «الفلاح يحتاج إلى 450 ألف درهم لبدء تجهيز هكتار واحد، في حين تصل الكلفة الإجمالية لإنتاج الطماطم إلى 850 ألف درهم للهكتار الواحد»، ليجد المهني نفسه محاصرا بين ضعف المردودية وبذور غير متأقلمة.

تعدد الوسطاء.. هوامش ربح تلهب الفاتورة

وفي سوق إنزكان، يباع صندوق الطماطم سعة 30 كيلوغراما بسعر يتراوح بين 200 و300 درهم، ما يجعل متوسط سعر الكيلوغرام عند المنطلق لا يتعدى 8.33 دراهم عند احتساب الصندوق بـ250 درهما.

وعقب خروج المنتوج من محطة الانطلاق، تشرع الأسعار في التصاعد التدريجي؛ إذ يضيف الموزع الأول ما لا يقل عن درهمين للكيلوغرام الواحد لتغطية تكاليف الشحن، ورسوم السوق، ونسبة المنتجات التالفة، ومصاريف كراء مستودعات التخزين.

ويعمد ناقل الشحنات إلى المدن الأخرى إلى فرض زيادة جديدة تصل إلى ثلاثة دراهم للكيلوغرام، ليتدخل موزع إضافي يضيف بدوره درهمين آخرين، وصولا إلى بائع التقسيط الذي يحدد هامش ربحه بين درهمين وثلاثة دراهم، ليصل المنتوج إلى قفة المواطن بما يقارب 17 إلى 18 درهما.

وفي هذا الصدد، شدد أمانة الله على أن النقص الفعلي في العرض يظل المحرك الأول لهذه الزيادات، على الرغم من القيود المفروضة على الصادرات نحو الأسواق الإفريقية وتشديد المراقبة على الإرساليات المتجهة إلى أوروبا لحماية الاستهلاك الوطني.

ولم تفلح هذه القيود في سد الخصاص القائم، حيث لفت المنتج إلى أن الحقول تسجل شحا بينا في الإنتاج نتيجة تأخر نضج كافة أنواع الخضراوات بفعل حرارة الصيف.

ترقب مناخي ورهان على الأيام المقبلة

يرتبط مستقبل أسعار الطماطم بكثافة العناقيد الزهرية التي يحملها كل نبات، وهي العناقيد التي كبح قيظ غشت تشكلها الطبيعي وانعكس سلبا على حجم المحصول.

ويبقى انفراج الوضع رهينا بتحسن واستقرار الأحوال الجوية خلال الفترة القادمة، إذ يساعد اعتدال المناخ على زيادة الإزهار وتحسين وتيرة الجني، وهو تراجع أكد المهنيون أنهم استشرفوه مسبقا داخل البيوت المغطاة.

ورغم صعوبة الظرفية، حافظ أمانة الله على نبرة واقعية مشوبة بالأمل، مؤكدا أن الفلاح يتسلح بالتفاؤل باستمرار، ويواصل مضاعفة الجهود الميدانية لضمان نتائج أفضل وتأمين حاجيات الأسواق.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 03/11/2026 على الساعة 09:15