جاء هذا التحرك الميداني إثر إعلان الوزارة، يوم الاثنين 28 شتنبر، عن رصد بؤرتين عائليتين للداء بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها، حيث أثبتت التحاليل المخبرية إصابة واحدة بينما تواصل الفرق الطبية التحقيق في ثماني حالات مشتبه فيها، سجلت من بينها حالتا وفاة.
ويرتكز التدخل الصحي على توحيد بروتوكولات التشخيص والتكفل السريري وتتبع المخالطين، بالاستناد إلى وثيقة توجيهية شاملة تحدد التدابير الاحترازية الكفيلة بمنع اتساع رقعة العدوى محليا وإقليميا.
سياق الوباء ومخاطر الانتشار
تراجع العبء العالمي لمرض الدفتيريا بنسبة فاقت 80 في المائة بين عامي 1980 و2018، وفق معطيات الدليل الوزاري، غير أن عودة التفشيات الحديثة سلطت الضوء مجددا على الخطر الداهم للشكل التنفسي للداء وسط الفئات غير الملقحة بالقدر الكافي، بعدما أبلغت ثماني دول على الأقل، بينها خمس دول إفريقية، عن ظهور إصابات خلال سنة 2024.
وأربكت جائحة «كوفيد-19» برامج التلقيح الروتيني وعمليات الترصد على الصعيد الدولي، متسببة في ارتفاع أعداد الأطفال والبالغين غير المشمولين بحماية مناعية كافية. ولا ينأى المغرب عن هذا الواقع، إذ يقر المستند الرسمي بتراجع مؤقت لمعدلات التغطية اللقاحية في بعض المناطق بفعل تداعيات الجائحة والتردد اللقاحي، رغم المكتسبات التي حققها البرنامج الوطني للتمنيع، ما أفرز جيوبا هشة لاسيما بين الأطفال الأكبر سنا واليافعين وبعض فئات البالغين.
وتزيد وتيرة التنقل المتسارعة ونمط الحياة داخل التجمعات المغلقة كالمؤسسات التعليمية والسجون ومقرات العمل، إلى جانب التدفق الإقليمي للعوامل المعدية، من احتمالات وفود حالات فردية أو تشكل بؤر وبائية نشطة.
طبيعة الداء ومسارات العدوى
تنجم «الدفتيريا» أو الخناق عن بكتيريا عصوية تنتمي إلى جنس «الوتديات»، وتحديدا «الوتدية الدفتيرية»، حيث تفرز السلالات الحاملة للجين السمي ذيفانات مسؤولة عن مضاعفات قلبية وعصبية وخيمة.
وتنتقل العدوى بصورة رئيسية عبر الرذاذ التنفسي الصادر أثناء السعال أو العطس أو الكلام، إلى جانب الاحتكاك الجسدي الوثيق بالمريض أو الحامل للبكتيريا دون أعراض، فضلا عن ملامسة الآفات الجلدية المصابة. كما تتيح بعض الأصناف، ومنها «الوتدية القرحية»، انتقال المرض عبر حيوانات مصابة أو استهلاك منتجات حليبية غير مبسترة.
ويحدد الدليل معدل التوالد الأساسي للعدوى بين 6 و7 حالات جديدة، في حين تمتد فترة الحضانة من يومين إلى خمسة أيام، وقد تصل إلى عشرة أيام، مع معدل فتك عام يتراوح بين 5 و10 في المائة. ويظل المصاب ناقلا للعدوى مدة تتراوح بين أسبوعين وستة أسابيع في حال عدم تلقي المضادات الحيوية، بينما ينحسر خطر العدوى بعد 48 ساعة من انطلاق العلاج المناسب، الأمر الذي يستوجب الإبقاء على تغطية لقاحية عامة بين 80 و85 في المائة لضمان المناعة الجماعية.
تصنيف الحالات ونظام الإنذار السريع
يحدد بروتوكول اليقظة أربعة أهداف محورية تشمل الكشف المبكر عن الحالات المشتبه فيها أو البؤر، والتأكيد المخبري السريع، ورصد مسارات السريان وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، إلى جانب التقييم المستمر لنجاعة التدابير المتخذة.
وتشمل صفة الحالة المشتبه فيها كل شخص يعاني التهابا في المسالك التنفسية العلوية، سواء تعلق الأمر بالبلعوم أو الأنف أو اللوزتين أو الحنجرة، مترافقا مع غشاء كاذب ملتصق ورمادي اللون ينزف بغزارة عند محاولة إزالته، علاوة على كل مصاب بتعفن أنفي أذني حنجري مقترن بتدهور لافت للحالة العامة أو مؤشرات تنذر بمضاعفات قلبية أو عصبية أو كلوية.
وترقى الإصابة إلى حالة محتملة متى ارتبطت الحالة المشتبه فيها وبائيا بإصابة مؤكدة مخبريا، أو كشف الفحص المجهري المباشر عن وجود عصيات إيجابية الغرام، بينما لا تُصنف الحالة كمؤكدة إلا عبر تقنية التفاعل البوليميرازي المتسلسل «PCR» أو الزرع البكتيري. ولا تُنسب الوفاة إلى الدفتيريا إلا إذا وقعت لدى حالة مؤكدة مخبريا جراء مضاعفات المرض ودون وجود سبب مرضي آخر.
وتلزم المنظومة سائر المنشآت الصحية، من مراكز رعاية أولية وعيادات خاصة ومستشفيات عمومية ومصحات ومختبرات، بالتبليغ الفوري عن أي اشتباه أو تأكيد عبر الهاتف إلى المصالح الإقليمية والوطنية. وتخطر المؤسسة الصحية الوحدة الإقليمية لليقظة والسلامة الصحية وحفظ صحة البيئة، بينما يوجه المختبر إشعاره إلى مصلحة المراقبة الوبائية أو المركز الوطني لعمليات طوارئ الصحة العامة، لتنطلق التحريات الوبائية بتنسيق مع المركز الجهوي لعمليات طوارئ الصحة العامة.
ويخضع كل اشتباه لاستمارة تقص مفصلة ترصد الهوية ومسار التمدرس والأعراض والحالة التلقيحية ومصدرها، فضلا عن السفر الحديث والمخالطين، مع إخضاع كل وفاة منسوبة للمرض لتدقيق سريري ووبائي وفق نموذج موحد، وتحديث قاعدة معطيات إلكترونية تواكب التقارير الأسبوعية كل يوم اثنين قبل منتصف النهار، حتى في حالة تسجيل «صفر حالة».
الفحوصات المخبرية والبروتوكول العلاجي
يستند تأكيد الإصابة إلى عزل البكتيريا عبر أخذ عينات من الحلق أو الآفات الجلدية قبل الشروع في إعطاء المضادات الحيوية، عبر الزرع في أوساط نوعية، وتحديد السلالة، وإجراء تحليل «PCR» لرصد الجين السمي. وتتوزع مهام التحاليل المرجعية بين مختبر المستشفى العسكري الدراسي محمد الخامس بالرباط، ومختبر المستشفى العسكري الدراسي ابن سينا بمراكش، ومختبر البكتريولوجيا والفيروسات بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، تبعا للائحة الحصرية التي تحينها مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بتنسيق لوجستي مع المركز الوطني لعمليات طوارئ الصحة العامة ومصلحة المراقبة الوبائية.
ويفرض البروتوكول التقني التقيد بإجراءات وقائية صارمة أثناء أخذ مسحات الحلق والأنف، من خلال ارتداء وزرة طويلة الأكمام، وقناع واق من صنف «FFP2»، وقفازات، ونظارات حماية، وغطاء رأس وحذاء وقائي. وتُنقل العينات داخل طرد ثلاثي التغليف يحمل عبارة «خطر بيولوجي» في مدة لا تتجاوز ساعتين تحت درجة حرارة الغرفة، أو تحفظ في درجة حرارة بين 2 و8 درجات مئوية إذا جاوزت مدة النقل 24 ساعة، مع إخضاع جميع المشتبه فيهم للتحليل في بداية الفاشية، وحصر الأولوية لاحقا للحالات الحرجة والمناطق الجغرافية الجديدة.
ويتعامل الدليل مع داء الدفتيريا بوصفه طارئا علاجيا يقتضي بدء التدخل الطبي فور الاشتباه السريري ودون انتظار النتائج المخبرية، عبر الاستشفاء الفوري داخل غرفة فردية مع العزل التنفسي، وإلزام المريض بارتداء قناع جراحي عند التنقل مقابل قناع «FFP2» للأطقم التمريضية والطبية.
إقرأ أيضا : بعد غياب ناهز 3 عقود.. هل يكرر داء «الدفتيريا» سيناريو «بوحمرون» في المغرب؟
ويشكل المصل المضاد لسم الدفتيريا ركيزة حيوية في الإصابات التنفسية أو الجهازية، وتكمن أهميته في معادلة السم الساري داخل الدورة الدموية حصرا دون التأثير على السم الملتصق بالأنسجة مسبقا، ما يستدعي حقنه سريعا واستبعاد استعماله كعلاج وقائي بعد المخالطة. ويتزامن ذلك مع علاج إلزامي بالمضادات الحيوية عبر البنسلين أو الماكروليدات لمدة 14 يوما، أو الأزيثروميسين لخمسة أيام، من أجل تطهير الجسم من العامل الممرض، تليه فحوصات بكتيرية تؤكد خلو المريض من الجرثومة قبل رفع العزل الطبي.
ويفرض المرض مراقبة مستمرة لوظائف القلب والجهاز العصبي تحسبا لالتهاب العضلة القلبية الذي يظهر غالبا بين اليوم العاشر والرابع عشر، وقد يمتد حتى الأسبوع السادس متسببا في اضطرابات نظم حادة ترتفع معها نسب الوفاة، مع تتبع حالة المسالك التنفسية لتجنب انسداد القصبات الهوائية بفعل الأغشية الكاذبة، فضلا عن تطعيم المصاب في مرحلة النقاهة لكون المرض لا يمنح مناعة كافية بذاته.
تدبير المخالطين ومستويات الخطورة
يقسم الدليل المخالطين إلى ثلاث دوائر خطر تبعا لطبيعة التماس مع المريض خلال فترة نقله للعدوى، حيث تضم فئة الخطر المرتفع أفراد الأسرة وزملاء السكن وزوار المريض المباشرين، وتخضع هذه الفئة لتلقيح فوري وعلاج وقائي إلزامي بالمضادات الحيوية، مع عزل منزلي ومراقبة يومية نشطة وتوقف عن العمل أو الدراسة لمدة عشرة أيام، بصرف النظر عن وضعهم التلقيحي السابق.
وتشمل دائرة الخطر المتوسط زملاء الفصول الدراسية ومكاتب العمل وموظفي المؤسسات السجنية المعرضين للاحتكاك المتكرر، وتعتمد المقاربة معهم على تدقيق السجل التلقيحي وتقديم الجرعات المناسبة، مع حصر العلاج الوقائي وفق تقدير اللجان الطبية المعنية، وتطبيق عزل احترازي يمتد 48 ساعة من بداية العلاج الوقائي عند غياب الأعراض.
أما دائرة الخطر المنخفض فتقتصر على الاتصالات العابرة والوجيزة، ويكتفى خلالها بالتوصية باستكمال التلقيح لمجهولي السوابق التمنيعية، مع تفعيل المراقبة الذاتية والتوجه إلى الفحص الطبي عند ظهور أي بوادر مرضية.
الحملات الميدانية واستدراك التلقيح
تشكل الاستجابة التلقيحية رافعة أساسية لحصر الفاشيات ووسيلة وقائية ممتدة الأثر، من خلال إطلاق حملات تلقيح انتقائية أو جماعية تستهدف الأطفال دون سن الخامسة، وتلاميذ المدارس، والمسنين، والكوادر الصحية داخل البؤر المعلنة والمناطق المجاورة المعرضة للخطر، دون الالتفات إلى السوابق التلقيحية للفئات المستهدفة داخل تلك المناطق.
ويحدد البروتوكول منح سلسلة تلقيحية كاملة للمخالطين غير الملقحين، واستكمال الجرعات الناقصة للمطعمين جزئيا مع اعتماد قاعدة تقضي بعدم إعادة السلسلة التلقيحية من بدايتها بل الاكتفاء بالجرعات التكميلية، والتوصية بجرعة معززة لمن مر على آخر جرعة تلقاها أكثر من خمس سنوات.
ويعتمد المخطط لقاح الدفتيريا والتيتانوس والسعال الديكي للفئة العمرية من سنة واحدة إلى سبع سنوات، بينما يخصص لقاح الدفتيريا والتيتانوس لمن تجاوزوا سن السابعة والبالغين. ويشمل جدول الاستدراك لغير الملقحين إعطاء ثلاث جرعات تتبعها جرعتان معززتان بفواصل زمنية مدروسة.
ويعتمد المغرب في منظومته الروتينية اللقاح الخماسي للرضع عند بلوغ 8 و12 و16 أسبوعا، متبوعا بجرعتين معززتين عند عمر 18 شهرا و5 سنوات. وتتكامل هذه الإجراءات مع تدابير ميدانية موسعة ترتكز على التوعية بغسل اليدين والسلوك الوقائي التنفسي، وتطهير المنشآت المدرسية والفضاءات الجماعية، وتفعيل الترصد الوبائي الميداني بدعم من وحدات التتبع الجهوية والإمدادات اللوجستية للأدوية وعتاد الوقاية الشخصية.
