بعد غياب ناهز 3 عقود.. هل يكرر داء «الدفتيريا» سيناريو «بوحمرون» في المغرب؟

الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية

الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية . DR

في 01/10/2026 على الساعة 08:00

دقت الهيئات الصحية ناقوس الخطر إثر رصد بؤرتين عائليتين لداء «الدفتيريا» بجهة سوس-ماسة، في تحول وبائي لافت بعد أكثر من ثلاثة عقود من السيطرة التامة على هذا المرض النادر داخل التراب المغربي.

وجاء هذا الاستنفار عقب إعلان وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، يوم الاثنين 28 شتنبر الجاري، عن رصد بؤرتين محدودتين بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها، حيث تأكدت إصابة واحدة مخبريا، مقابل ثماني حالات أخرى تخضع لتحر دقيق، من بينها حالتا وفاة.

وأظهرت التحقيقات الأولية أن الأطفال المعنيين إما تخلفوا عن التلقيح كليا، أو لم يستكملوا الجرعات الموصى بها في جدول التحصين الوطني.

إنذار صحي وتراجع جدار الحماية

أكد الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية ونائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة، أن رصد بؤرتين عائليتين يكتسي دلالة بالغة الأهمية.

وأوضح حمضي في بيان عممه على وسائل الإعلام أن الأمر يتجاوز فرضية الإصابة الفردية المعزولة نحو وجود سريان فعلي للعدوى داخل المحيط الأسري المباشر، ما يضع فرق الرصد الوبائي أمام ضرورة حصر مصدر البكتيريا وملاحقة امتداداتها الميدانية فورا.

وعزا الباحث الصحي عودة المرض إلى تآكل مستوى المناعة الجماعية داخل جيوب سكانية محددة. وأشار إلى أن ترويض الداء لسنوات طويلة لا يعني فناء البكتيريا المسببة له نهائيا، بل يعكس فاعلية الحصانة التي يمنحها اللقاح، مبرزا أن تراجع نسب التغطية يقود حتما إلى تشكل فراغات وبائية تضم أفرادا غير محميين، فضلا عن هبوط المناعة المكتسبة لدى البالغين مع مرور الوقت في غياب الجرعات التذكيرية.

شبح «بوحمرون» يتجدد في سوس

واستحضر حمضي الانتكاسة التي شهدتها جهة سوس-ماسة أواخر سنة 2023 إبان تفشي الحصبة أو «بوحمرون»، حين هوت نسبة التغطية بالجرعتين إلى ما دون عتبة 95 في المائة قبل أن يمتد الوباء إلى جهات أخرى.

وشدد في هذا السياق على أن الحصبة تمثل عادة جرس الإنذار الأول الذي يفضح ثغرات المناعة، الأمر الذي يجعل من ظهور الدفتيريا في الرقعة ذاتها تحذيرا ثانيا وصريحا بشأن وجود فئات هشة تفتقر للحماية ضد أمراض كان التلقيح قد طواها.

وتتزامن هذه التطورات مع سياق إقليمي مضطرب، إذ سجلت الدفتيريا عودة شرسة إلى القارة الإفريقية خلال السنتين الأخيرتين. وتكابد دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر وموريتانيا، تبعات هذا التفشي منذ فترة، ما يضاعف منسوب التهديد العابر للحدود.

شراسة البكتيريا وبروتوكول الاستدراك

تعد الدفتيريا عدوى حادة تسببها بكتيريا «Corynebacterium diphtheriae»، وتكمن خطورتها في السم القاتل الذي تفرزه بعض سلالاتها.

وتؤدي الإصابة إلى التهاب حلقي حاد مصحوب بأغشية رمادية سميكة تخنق المسالك الهوائية، إلى جانب مضاعفات جسيمة تطال عضلة القلب والجهاز العصبي، وتنتقل أساسا عبر الرذاذ التنفسي والاحتكاك اللصيق.

وأمام هذه الوضعية، حث الدكتور حمضي المصالح الطبية على تفعيل مسطرة التعقب الفوري للمخالطين، وإخضاعهم للتحاليل المخبرية والعلاجات الوقائية الصارمة بالمضادات الحيوية ومضادات السموم عند توفرها.

وطالب بالتعجيل بإطلاق حملات ميدانية واسعة لاستدراك تلقيح الأطفال المتعثرين في مسارهم المناعي داخل المناطق المعنية.

وأكد حمضي في ختام قراءته أن المعطيات الحالية لا تستوجب الهلع الشعبي، بقدر ما تتطلب يقظة رسمية حازمة تنبذ الاسترخاء.

وشدد على أن انتصارات الصحة العامة ليست مكاسب أبدية، إذ إن التراجع عن التلقيح بحجة غياب المرض يفتح الباب تلقائيا أمام عودة هذه الأوبئة لتهديد الأرواح.

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 01/10/2026 على الساعة 08:00