وعلى هذا الصعيد، يواصل القضاء الإيطالي الاحتفاظ بجثمان الراحل بانتظار استكمال إجراءات التشريح الطبي. وهو ما أوضحه أنسيلمو في تصريح لـLe360، مشيرا إلى أن تحريات الادعاء العام لم تتجاوز بعد «خطواتها التمهيدية».
بناء على ذلك، ترتكز التحقيقات بالأساس على نتائج التشريح الطبي الكفيلة بتحديد السبب المباشر للوفاة، إضافة إلى مقطع فيديو يوثق اللحظات الأخيرة من حياة الضحية.
وفي هذا السياق، شدد الدفاع على أن المقطع يتضمن «معطيات دالة للغاية»، معتبرا أن التشريح يظل مرحلة حاسمة لا غنى عنها، وهو السبب المباشر الذي يمنع تسليم الجثمان لعائلته حتى الآن.
علاوة على ذلك، استنكر المحامي تناسل صفحات غير حقيقية على شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة، موضحا أن تصميمها تم بطرق تقنية ممنهجة باستعمال الذكاء الاصطناعي.
إقرأ أيضا : عائلة الضحية عبد الرحيم فقير تصرخ من الدار البيضاء: «أعيدوا إلينا جثمانه»
وتعمل هذه الصفحات على ترويج سيناريوهات حول سبب الوفاة وصفها بـ«الخيالية بالكامل» من الناحية العلمية والواقعية. الأمر الذي يعكس محاولة لمغالطة الرأي العام وإبعاد الشبهة عن مسؤولية عناصر الشرطة، متسائلا عن أسباب الانخراط المكثف لصناع محتوى ومحللين محسوبين على اليمين المتطرف الإيطالي في هذه الحملة.
وفي إطار هذه التطورات، اعتبر الدفاع أن هذا السلوك ينطوي على «التزام سياسي» يستهدف تفادي اعتراف الحكومة الإيطالية بأي مسؤولية لرجال الأمن. وبناء على هذا المنطق، يرى أن تسليم الجثمان للعائلة في الوقت الراهن يُقرأ في هذا السياق كأنه تقديم تنازل للطرف الآخر.
وعلى الصعيد الإجرائي، كشف أنسيلمو أنه تقدم بطلب رسمي لاستخراج نسخة مطابقة للأصل من تسجيلات الكاميرا الصدرية التي كان يرتديها أحد عناصر الأمن. ومن المرتقب أن تنطلق هذه العمليات يومه الاثنين 10 غشت داخل إدارة التحقيقات العلمية، وهي عمليات وصفها بـ«المعقدة والدقيقة». كما فجر المحامي مفاجأة بتأكيده تعرض الكاميرا للقرصنة وتداول التسجيلات عبر القناة التلفزيونية الوطنية.
تبعا لذلك، أعرب المحامي عن سخطه الشديد حيال هذا التسريب الذي «ما كان ينبغي أن يحدث إطلاقا». وأكد أنه ينتظر نتائج عملية الاستخراج قبل اتخاذ الخطوات القانونية المقبلة، ملوحا بإمكانية وضع شكاية بشأن طريقة حفظ واستعمال هذه التسجيلات من طرف الضابط الذي وثق التدخل.
تقرير طبي يؤكد سيناريو الخنق الميكانيكي
من جهة أخرى، قدم ماريو بالزانيلي، رئيس الجمعية الإيطالية لطب الطوارئ، تحليلا طبيا مفصلا لميكانيزمات الوفاة. حيث أوضح أن تثبيت الضحية في وضعية الانبطاح على البطن مع الضغط على القفص الصدري يسبب الاختناق المباشر. ونظرا لعدم قدرة الرئة على التمدد، يتراكم ثاني أكسيد الكربون محدثا حموضة تنفسية تضعف قدرة القلب على الانقباض. وعندما ينخفض ضخ القلب، يتجمع الدم داخل الرئتين، وهو ما يفسر وجود نزيف رئوي وكدمات على الظهر، إضافة إلى احتمال حدوث أزمة رئوية حادة.
وبناء عليه، أكد بالزانيلي أن اللجوء إلى هذه الوضعية «لم يكن له أي مسوغ». واصفا إياها بـ «التثبيت القاتل»، وهي ممارسة تصنفها الأبحاث الدولية ضمن السلوكيات الخطيرة على الحياة، بالنظر إلى تسجيل أكثر من 740 حالة وفاة بسببها من أصل 1300 حالة جرى رصدها خلال عمليات توقيف عبر العالم. وأشار إلى أن الضحية، رغم تكبيل يديه وقدميه، لم يكن يشكل خطرا يبرر إبقاءه ممددا على الأرض مع الضغط على ظهره، علما أن البرتوكولات المعتمدة لدى وزارة الداخلية لا تسمح بهذا الإجراء إلا لثوان معدودة.
إضافة إلى ذلك، نفى خبير الطوارئ الطبية الفرضية التي تدعي أن مناورات الإنعاش هي التي تسببت في الاختناق. وأكد أن الضحية تعرض لسكتة قلبية أثناء الضغط عليه من طرف عناصر الشرطة، ليبقى فاقدا للوعي دون أي تدخل لإنقاذه مدة دقيقة و35 ثانية، وهي مهلة وثقتها كاميرات المراقبة بالكامل. بالتالي، فإن الإسعافات التي قدمها طاقم الإنقاذ لا يمكن أن تسبب اختناقا إلا في حال وجود كسور في الأضلاع، وهو أمر استبعده الخبير الطبي.
إقرأ أيضا : قضية عبد الرحيم فقير.. دفاع العائلة يطالب بسحب الملف من شرطة بولونيا بداعي التحيز
وفي السياق ذاته، تساءل بالزانيلي عن نجاعة منظومة الإسعاف، مستغربا عدم إرسال طبيب متخصص إلى عين المكان منذ بداية التدخل. وأشار إلى احتمال وجود تقييم خاطئ لخطورة الحالة، أو نقص في الأطر الطبية، أو عدم دقة في البلاغ الصادر عن عناصر الشرطة، مشددا على أن الحسم في هذا الأمر يتطلب مراجعة التسجيل الصوتي للمكالمة الأولى.
ولفت الخبير إلى أن حالة الضحية شهدت تدهورا متسارعا دون قياس نسبة الأوكسجين في الدم، وهو ما كان يستوجب استدعاء طبيب على وجه السرعة. وأوضح أن حالة الهيجان النفسي والحركي تشكل حالة طبية مستعجلة، نظرا لمخاطرها المتمثلة في ارتفاع ضغط الدم أو السكتة الدماغية أو اضطراب نبضات القلب، داعيا إلى إيفاد طبيب فور تطاول مدة التثبيت الجسدي.
وارتباطا بأصل الواقعة، يذكر أن عبد الرحيم فقير، وهو مواطن مغربي يبلغ من العمر 42 سنة واستقر بإيطاليا منذ سن الخامسة، كان قد فارق الحياة يوم 19 يوليوز إثر إلقائه أرضا من طرف شرطيين خلال عملية توقيف ببولونيا. وكانت النتائج الأولية للتشريح قد أظهرت امتلاء الرئتين بالدماء ووجود نزيف حاد ناتج عن الضغط على الظهر، وهو ما وصفه المحامي أنسيلمو بـ«الاختناق الميكانيكي العنيف عبر الضغط الصدري».
وفي التطورات ذاتها، تتوافق هذه المعطيات مع الموقف الذي عبر عنه فرانشيسكو ماريا كاروسو، الرئيس السابق لمحكمتي ريدجو إميليا وبولونيا، الذي استبعد وجود أي مبرر لهذه الوفاة.
وفي إطار المتابعة القضائية، تقدم دفاع العائلة بطلب لسحب الملف من جهاز الشرطة الذي يتبع له العنصران المتورطان، مستندا إلى أحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تفرض إجراء تحقيقات مستقلة عند تورط عناصر حفظ النظام. وبعد مضي اثنين وعشرين يوما على الحادث، يظل جثمان الضحية محتجزا بإيطاليا، في وقت تطالب فيه عائلته المستقرة بالدار البيضاء بالإسراع في ترحيله إلى أرض الوطن.














