«لا يمكن أن يموت شخص بهذا الشكل البشع».. بكلمات متبوعة بالحسرة والذهول، تختصر خديجة فقير المأساة التي هزت الأوساط الإيطالية والمغربية على حد سواء، عقب مقتل شقيقها عبد الرحيم فقير، المهاجر المغربي البالغ من العمر 42 سنة، خلال عملية توقيف أمنية بمدينة بولونيا يوم 20 يوليوز الجاري.
مشهد أليم هز الرأي العام المحلي والدولي وأعاد إلى الأذهان السيناريو المأساوي ذاته الذي أودى بحياة المواطن الإيطالي ريكاردو ماغيريني بمدينة فلورنسا سنة 2014، وهو الحادث الذي جَرّ حينها على إيطاليا إدانة صريحة من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بسبب غياب بروتوكول تأطيري واضح لعمليات التثبيت والاعتقال، دون أن تشهد الممارسات الميدانية أي تغيير ملموس منذ ذلك الحين.
صرخات استغاثة واختناق على الإسفلت
خلف مقتل فقير، المقيم بإيطاليا منذ سن الخامسة، موجة غضب عارمة شملت الشارع الإيطالي والجالية المغربية، خصوصا بعد تداول مقاطع فيديو توثق لحظات الاعتقال، حيث أظهرت المشاهد الضحية خاضعا لتثبيت بطني مشدد عدة دقائق وهو يصرخ بصوت خافت «النجدة.. النجدة»، بينما واصل الشرطيان شل حركته بالكامل على مرأى من عناصر إسعاف ظلوا واقفين دون أدنى تدخل طبي.
تطور المشهد، الذي وثقه أحد السكان بكاميرا هاتفه، إلى فقدان الضحية للوعي وتوقف حركته تماما وجها لوجه مع الإسفلت، ليقدم أحد الشرطيين على تقييد يديه وقدميه قبل أن يربت على كتفه لاختبار درجة وعيه، ليتبين أنه فارق الحياة.
وفي مقابل الغليان الشعبي والتظاهرات التي شهدها وسط مدينة بولونيا للمطالبة بالحقيقة والعدالة، اكتفت ولاية أمن المدينة بالإشارة إلى تسليم تسجيلات الكاميرات الصدرية للقضاء، معللة التدخل بتلقيها بلاغات من الساكنة حول شخص كان في حالة «غضب شديد».
سابقة قضائية معطلة وتنديد برلماني حاد
دخلت السيناتور إيلاريا كوكشي، الشقيقة لضحية سابق للممارسات الأمنية، على خط القضية خلال مؤتمر صحفي بمجلس الشيوخ، مؤكدة أن مقاطع فيديو مقتل فقير تطابق تماما مشاهد مقتل ماغيريني قبل 12 عاما.
واستحضرت كوكشي الإدانة الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد إيطاليا في يناير 2026، والتي شدد فيها القضاة على أن إبقاء الشخص مكبلا على بطنه لفترات طويلة يمثل انتهاكا صريحا للحق في الحياة، مشيرة إلى الخلل الفادح في تدريب القوات الأمنية وغياب التعليمات الوقائية.
وأوضحت البرلمانية أن وزارة الداخلية الإيطالية نفسها أصدرت في ماي 2026 توجيهات صريحة تنص على وجوب نقل الشخص الموقوف فورا إلى وضعية الاستلقاء على الظهر بمجرد وضع الأغلال، خصوصا إذا كان يعاني من اضطرابات نفسية أو تحت تأثير الصدمة، مردفة باستنكار حاد: «بدلا من تطبيق التوجيهات، نتركهم يموتون اختناقا».
تقرير طبي يكشف خطورة التثبيت البطني
تطابق الموقف الحقوقي مع القراءة الطبية للحادث؛ إذ وصف ماريو بالزانيلي، رئيس الجمعية الإيطالية لخدمات الطوارئ (118)، طريقة الشل والتثبيت التي تعرض لها الضحية المغربي بـ«الخطيرة وغير المناسبة مطلقا».
وأكد الخبير الطبي أن شل حركة الشخص وهو مستلق على بطنه مع ضغط الثقل على ظهره ورقبته يمنع اتساع القفص الصدري، مما يؤدي إلى تراكم ثاني أكسيد الكربون، وحموضة الدم، ثم التوقف المفاجئ للقلب.
وأضاف بالزانيلي أن استخدام غاز الفلفل المسيل للدموع قبل شل الحركة أدى إلى تشنج الحنجرة والقصبات الهوائية لدى الضحية الذي كان يعاني أصل من مرض الربو.
وشبه بالزانيلي هذا الجمع بين الضغط الجسدي وغاز الفلفل بـ«معادلة قاتلة» كان يمكن تجنبها لو تم استدعاء سيارة إسعاف مجهزة لطاقم طبي للتعامل مع حالة الهيجان النفسي عبر التهدئة الطبية بدلا من العنف الميداني.
محامي الضحايا: «إجراءات الموت» تكرر نفسها
من جهته، أبدى المحامي فابيو أنسيلمو، دفاع عائلة فقير والذي سبق له الترافع في أشهر قضايا تجاوزات الشرطة الإيطالية، غضبه الشديد من تكرار الاستهانة بحياة المواطنين، واصفا مساطر التدخل الحالية بـ«إجراءات الموت».
وأكد أنسيلمو أن تسجيلات المكالمات مع طوارئ الإسعاف تبين أن الضحية ترك مكبلا من أطرافه الأربعة وهو ينازع الموت دون تقديم أي مساعدة طبية عاجلة.
كما شجب أنسيلمو المحاولات الإعلامية لتشويه سمعة الضحية عبر خلط اسمه مع سجلات عدلية لأشخاص آخرين يمتلكون الاسم نفسه، مشددا على أن المسؤولية الجنائية والأخلاقية تقع حصرا على كيفية التعامل الميداني مع إنسان كان يستغيث، معربا عن دعمه الكامل لعائلة الضحية في معركتها القانونية لإعادة الاعتبار لكرامته.
العائلة تطالب بالعدالة وترفض الشغب
في مداخلة عبر تقنية التناظر المرئي، عبرت يسرى، ابنة أخ الضحية، عن ألم الأسرة العميق مع تبرؤها التام من أي أعمال شغب أو مواجهات شهدتها المدينة عقب الحادث.
وأكدت أن بولونيا هي مسقط رأسها ولا تستحق الانزلاق نحو العنف، مشددة على أن ذكريات عمها يجب ألا تُستغل في إثارة الفوضى.
وأضافت المتحدثة باسم العائلة أن عمها عبد الرحيم لم يكن مجرد رقم أو حالة عابرة، بل إنسانا له حياة وكرامة، مشيرة إلى أن استغاثته التي قوبلت بالتجاهل تقتضي فتح تحقيق شفاف ومحاسبة الشبهات والمسؤولين عن هذا التهاون المأساوي.
الدبلوماسية المغربية تدخل على الخط
وعلى المستوى الرسمي، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أنها تتابع عن كثب وببالغ القلق ملابسات الحادث الأليم الذي أودى بحياة المواطن المغربي.
وأكدت الوزارة في بلاغ لها أنها طالبت السلطات الإيطالية المختصة بالتعجيل بإجراء تحقيق شامل ومستفيض للكشف عن كافة الظروف المحيطة بهذه الفاجعة، وتحديد المسؤوليات بدقة مع ضمان التطبيق الصارم للإجراءات القانونية الذاتية.
جاء الموقف الرسمي المغربي حازما ومباشرا؛ إذ أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج أنها تتابع الحادث ببالغ القلق.
وأفاد بيان رسمي للوزارة بتقديم طلبات صريحة للسلطات الإيطالية المعنية للتعجيل بفتح تحقيق شامل ومستقل لكشف جميع ظروف وملابسات هذه الفاجعة، وترتيب المسؤوليات القانونية كاملة. كما صدرت تعليمات صارمة للسفارة والقنصلية العامة المعنية لمواكبة تطورات الملف ومؤازرة أسرة الفقيد.










