تداولت وسائل إعلام إيطالية مقاطع فيديو وثقها أحد السكان المجاورين، تظهر الضحية مسجى على الأرض تحت تثبيت بطني استمر دقائق طويلة.
وكان عبد الرحيم فقير، الذي استقر بإيطاليا منذ كان عمره 5 سنوات، يصرخ بصوت خافت «النجدة، النجدة!» بينما يضغط شرطيان بثقلهما عليه، وسط جمود عنصرين من الإسعاف كانا يقفان بمكان الحادث.
وظهر الضحية بعد لحظات بلا حراك ووجهه ملتصق بالأسفلت قبل أن يقدم عناصر الأمن على تقييد يديه وقدميه، ليتكشف لاحقا أنه فقد وعيه تماما وتوقف عن التنفس.
بررت ولاية أمن بولونيا التدخل في بيان رسمي بإبلاغ السكان عن رجل يمر بكيل من «الغضب الشديد». وأكدت السلطات وضع تسجيلات الكاميرات المحمولة الخاصة بعناصر الشرطة تحت تصرف القضاء لتحديد الملابسات.
ردود فعل رسمية وسياسية تتصاعد
دخلت رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني على خط القضية عبر منصة «إكس»، واصفة ما وقع بمدينة بولونيا بأنه «غير مقبول». وشددت ميلوني على ضرورة تحديد المسؤوليات بأقصى درجات الصرامة، داعية إلى كشف الحقيقة كاملة دون أفكار مسبقة أو محاباة لأي طرف.
وطالب رئيس بلدية بولونيا المنتمي لليسار الوسط، ماتيو ليبوري، بالمسارعة إلى تسليط الضوء الكامل على مجريات الفاجعة.
بالتزامن مع ذلك، شهد وسط المدينة مسيرة حاشدة شارك فيها المئات من المواطنين وأفراد الجالية المغربية، رفعوا خلالها لافتات تطالب بالعدالة والشفافية وتدين العنف الشرطي.
وهاجمت السيناتورة المعارضة إيلاريا كوكشي التضامن الصادر عن بعض الجهات مع الشرطة، محملة الائتلاف الحكومي مسؤولية تأجيج الممارسات العنصرية والتضييق على المهاجرين. واستحضرت كوكشي مأساة شقيقها الذي قضى داخل السجن سنة 2009 بسبب ممارسات مماثلة.
شهادات حقوقية ودفاع العائلة يكشفان خبايا الواقعة
أكدت المحامية باربارا سبينيللي، المتخصصة في حقوق الإنسان وحق اللجوء بمدينة بولونيا، أنها تابعت ملف الضحية العام الماضي لإعادة تجديد إقامته.
وأوضحت سبينيللي، في تصريح لـLe360، أن الضحية عاش أزيد من 30 سنة بإيطاليا حيث درس وعمل وكان مثالا للالتزام والانضباط والتقيد بالقانون، متأسفة لكونه ظل يعيش تحت وطأة الخوف من الترحيل في ظل مناخ عام يزداد شدة تجاه الأجانب.
وانتقدت المحامية الاعتماد على تقنية التثبيت البطني المثيرة للجدل، والمحظورة بقرارات من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالنظر إلى مخاطرها القاتلة.
وذكرت بملف ريكاردو ماغيريني الذي توفي بفلورنسا سنة 2014 في ظروف مشابهة، مشيرة إلى أن هذه الأساليب تتطلب تدريبا خاصا ومراعاة لمبدأ التناسب، مع التنديد بسلوك عناصر الإسعاف الذين وقفوا موقف المتفرج.
وطالب فابيو أنسيلمو، المحامي المكلف من عائلة الضحية، في بيان عبر «فيسبوك»، بعدم محو اسم عبد الرحيم فقير من الذاكرة والتعاطي مع قضيته بوصفها انتهاكا صارخا.
وتساءل أنسيلمو عن الدواعي التي تجعل رجلا يفارق الحياة وهو مثبت أرضا بوضعية تمنعه من التنفس، مؤكدا أن الدولة تبقى الضامن الأول لسلامة كل مواطن حتى لو كان في حالة هيجان أو ارتكب مخالفة، مع المطالبة بحفظ التسجيلات والتحقيق بنزاهة وشفافية.
صرخة العائلة: «لم يكن مجرد رقم»
عبّرت يسرا فقير، قريبة الضحية، بنبرة حزينة ومؤثرة خلال الوقفة الاحتجاجية، عن رفضها اختزال عمها في مجرد خبر هامشي أو ملف إداري.
وأكدت أن عمها كان إنسانا يحمل بين جنبيه روحا وعاطفة وله عائلة تحبه، داعية إلى محاسبة كل من فرط في واجبه وحس المسؤولية الأخلاقية والمهنية.
بدورها، لم تتمالك خديجة فقير، شقيقة الضحية، دموعها وغضبها في تصريح لصحيفة «كوريري ديلا سيرا»، مؤكدة أن جهاز الشرطة وُجد لحماية المواطنين وليس لإنهاء حياتهم بتلك الطريقة البشعة. وشددت على أن التعامل مع حالات الاضطراب يقتضي التهدئة وضبط النفس لا اللجوء إلى القوة المفرطة.
الدبلوماسية المغربية على الخط: متابعة دقيقة وتضامن مطلق
أعلنت سفارة المملكة المغربية بإيطاليا متابعتها للحادث الأليم منذ اللحظات الأولى ببالغ الاهتمام والقلق.
وأوضح سفير المغرب بإيطاليا في بيان رسمي أنه أصدر توجيهات عاجلة للقنصلية العامة المختصة ترابيا لتقديم الدعم المعنوي والقانوني والمواكبة اللازمة لعائلة الفقيد.
أكد البيان ربط اتصالات مستمرة ومباشرة مع السلطات القضائية الإيطالية المكلفة بالتحقيق، في احترام تام للمواثيق الدولية والمساطر القانونية الجاري بها العمل. وعبرت السفارة عن ثقتها في العدالة الإيطالية لكشف الملابسات كاملة بكل حزم وشفافية وإنصاف عائلة الفقيد.
