بنطلحة: مخيمات تندوف تخرق القانون الدولي عبر الاحتجاز تحت قناع اللجوء

محمد بنطلحة الدكالي، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء

في 02/11/2026 على الساعة 21:12

مقال رأيفي مقال نُشر بتاريخ 25 مارس 2026 على موقع “Middle East Forum”، أعاد المحلل الأمريكي مايكل روبين، الباحث في معهد “American Enterprise Institute” والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، تسليط الضوء على ملف مخيمات تندوف، فشكك في الأرقام المتداولة بشأن سكانها (40000 مقابل 173000 حسب ادعاء الجزائر)، وانتقد توسيع مفهوم “اللاجئ” خارج الإطار الذي رسمته اتفاقية جنيف لسنة 1951، وسجل وجود قيود على حرية التنقل داخل هذه المخيمات، مع الإشارة إلى ممارسات تفيد باستعمال الروابط العائلية كوسيلة ضغط غير مباشرة، عبر إبقاء بعض أفراد الأسر داخل المخيمات كضمانة لعودة من يُسمح لهم بالمغادرة المؤقتة، ليخلص إلى أن استمرار هذا الوضع الشاذ لم يعد مبررًا.

وما يعزز هذا الطرح أن مجلس الأمن نفسه واصل، في قراراته المتعاقبة، من القرار 2252 لسنة 2015 إلى القرارات اللاحقة، وصولًا إلى القرار الأحدث لسنة 2025، التشديد على ضرورة إحصاء سكان المخيمات وضبط وضعهم القانوني.

غير أن هذا المطلب، كما يُفهم في الخطاب العام، يُختزل غالبًا في كونه مجرد “تعداد للسكان”، وهذا تبسيط خاطئ من الناحية القانونية. فالإحصاء الذي يدعو إليه مجلس الأمن، وفق معايير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ليس عملية عددية، بل إجراء قانوني فردي كامل، يهدف إلى تحديد هوية كل شخص، وأصله، وجنسيته، ومسار نزوحه، وأسباب ادعاء اللجوء لديه، وما إذا كان فعلًا يستوفي شرط “الخوف المبرر من الاضطهاد”، ثم تحديد اختياره المستقبلي: العودة، أو الإدماج، أو إعادة التوطين. لأن اللجوء في القانون الدولي لا يُمنح لجماعة مجهولة، بل لأفراد تُثبت حالتهم بشكل دقيق.

وفي هذا السياق، يكتسي التمييز بين المقاربتين الجماعية والفردية أهمية حاسمة. فالأصل في القانون الدولي هو ما يُعرف بـ “التحديد الفردي لصفة اللاجئ” (Individual determination of refugee status)، وهو مسار قانوني إلزامي يقوم على دراسة كل حالة على حدة. وفي المقابل، يوجد استثناء محدود يُعرف بـ “الاعتراف الأولي الجماعي” (Prima facie refugee status)، ويُقصد به منح صفة اللاجئ بشكل جماعي وعلى أساس الظاهر في حالات النزوح الجماعي الكبرى. غير أن هذا الأسلوب يظل، بطبيعته، مؤقتًا، ولا يمكن أن يُعوض التحديد الفردي النهائي. ومن ثم، فإن استمرار التعامل مع ساكنة مخيمات تندوف وفق منطق جماعي دائم، دون المرور إلى التحديد الفردي، يُعد خروجًا صريحًا عن القاعدة القانونية.

انطلاقًا من هذا التوضيح، يتبين أن الوضع في تندوف لا يطرح مجرد إشكال تقني، بل يكشف خللًا بنيويًا. كما تنص المادة 1A(2) من اتفاقية جنيف لسنة 1951 على أن اللاجئ هو كل شخص يوجد خارج بلده بسبب خوف مبرر من الاضطهاد، ولا يستطيع أو لا يريد العودة بسبب ذلك الخوف، وهو تعريف يقوم على أساس فردي دقيق، لا يقبل التعميم أو الامتداد الجماعي خارج شروطه القانونية المحددة. وقد كرست المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، من خلال أدلتها الإجرائية (Handbook on Procedures and Criteria for Determining Refugee Status (1979) وRegistration Guidelines (UNHCR))، مبدأ التحديد الفردي لصفة اللاجئ، باعتباره قاعدة أساسية في نظام الحماية الدولية، حيث يتم تقييم كل حالة على حدة، وهو ما يُترجم عمليًا عبر التسجيل الفردي الذي يمكن من ضبط الهوية والوضعية القانونية لكل شخص، ولا يقبل الاكتفاء بمعالجة جماعية دائمة خارج إطارها المؤقت. هذا التعريف يقوم على شرطين حاسمين:

وجود الخوف، وتعذر العودة. غير أن الواقع في تندوف يكشف تناقضًا واضحًا مع هذين الشرطين، فباب العودة إلى المغرب ظل مفتوحًا دون انقطاع، ليس فقط أمام المدنيين، بل حتى أمام قيادات بارزة ومؤسسين في جبهة البوليساريو، عادوا واندَمَجوا داخل مؤسسات الدولة، بل وتقلدوا مناصب بالغة الأهمية داخلها. هذا المعطى يهدم، في العمق، فرضية “الخوف المانع من العودة”، ويؤكد أن الإشكال لا يتعلق بالاضطهاد، بل بغياب حرية الاختيار.

ومن هنا يظهر أول خرق قانوني صريح يتعلق بتقييد حرية التنقل. فالمادة 26 من اتفاقية 1951 تنص بوضوح على أن اللاجئ يتمتع “بحق اختيار محل إقامته والتنقل بحرية داخل إقليم الدولة المضيفة”. لكن الواقع داخل مخيمات تندوف يعكس وضعًا مغايرًا، حيث يخضع التنقل لقيود وترخيصات، وتصبح الحركة امتيازًا مشروطًا بدل أن تكون حقًا مكفولًا.

ولا يتوقف الأمر عند مجرد اشتراط الإذن أو الترخيص، بل يمتد أيضًا إلى مصادرة جوازات السفر الجزائرية من حامليها الصحراويين عند دخول التراب الجزائري، مع احتجازها لفترات قد تطول قبل استرجاعها.

وقد وثقت منظمات حقوقية دولية ممارسات تتعلق بمصادرة أو تقييد استعمال جوازات السفر عند دخول التراب الجزائري أو مغادرته، وهو ما يؤدي، في حالات متعددة، إلى تعطيل الحقوق المرتبطة بالتنقل والإقامة خارج البلاد.

هذا المعطى لا يقتصر على حالات فردية معزولة، بل يعكس نمطًا من القيود التي تمس جوهر حرية التنقل، وتؤثر بشكل مباشر على الوضع القانوني والاجتماعي للأشخاص المعنيين. كما أوصت الجهات الحقوقية بتمكين سكان المخيمات من الحصول على وثائق سفرهم واستعمالها دون عرقلة.

وعندما تُقيد حرية الحركة بهذه الصورة، وتتحول الوثيقة نفسها إلى أداة للضبط والتحكم، فإننا لا نكون أمام نظام حماية، بل أمام وضع يرتقي، في آثاره القانونية والعملية، إلى الاحتجاز الفعلي. ولا تقف هذه القيود عند حدود التنظيم الإداري، بل تمتد لتؤسس لآليات ضغط غير مباشرة تمس حرية القرار الفردي، وتجعل من مغادرة المخيم مخاطرة ذات كلفة إنسانية واجتماعية، بما يعمق الطابع القسري للوضع القائم.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 02/11/2026 على الساعة 21:12