وضع ألبرتو نونييث فييخو الجار الجنوبي مجددا في قلب خطابه التصعيدي. فخلال تجمع سياسي في طليطلة، رمى رئيس الحزب الشعبي الرباط بتهمة «تجاوز حدود المقبول» عبر ما وصفه بـ«استفزازات متواصلة» للسيادة الإسبانية، متعهدا برد «هادئ وحازم» متى تقلد زمام السلطة. وجاءت هذه التصريحات، التي أوردتها وكالة «إيفي»، عقب تأكيد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز وجود سفن مغربية على مقربة من سبتة أواخر يوليوز، مع تصنيفه الواقعة كحدث عابر.
ولا يقف هذا الهجوم عند حدود الزلة العابرة، إذ كثف فييخو اتهاماته الثقيلة منذ موجات تدفق المهاجرين على سبتة أواخر يوليوز. فوصف الوقائع في فاتح غشت بـ«الاحتلال مع سبق الإصرار»، ثم اتهم سانشيز في شتنبر بـ«الخضوع لابتزاز» مغربي، قبل أن يرميه بكلام مباشر تحت قبة البرلمان قائلا: «إذا بدأ المغرب بالكلام، فستسقط».
وواصل فييخو حملته في 13 أكتوبر بادعاء أن «كل المؤشرات تدل» على وجود مصالح مالية تربط مسؤولين اشتراكيين سابقين بالمغرب. وتبقى هذه الادعاءات حبيسة ذمة قائلها، إذ لا يمنحها العنف اللفظي أي سند واقعي. وبحديثه اليوم عن تخطي الرباط لـ«حدود المقبول»، يحاول الزعيم اليميني تقديم افتراضات تحتاج إلى إثبات كأنها حقائق دامغة لا غبار عليها.
ويطفو التناقض الصارخ على السطح حين يطالب فييخو بـ«تعاون شامل» وحسن جوار، بالتزامن مع توجيهه اتهامات الغدر، وإطلاق دعوات لتحريك السفن الحربية نحو سبتة واستدعاء سفيرة المغرب. ومع أنه يدعي تجنب الصدام، فإن خرجاته تواصل صب الزيت على النار، مكررا أمام أنصاره عبارة: «إسبانيا ليس لها سيد»، وهي رسالة موجهة للداخل الانتخابي تختزل العلاقة مع الرباط في صراع هيمنة ومساس بالكرامة الوطنية.
هجوم يتجاوز فييخو وحده
وتتعدى رقعة هذا التصعيد شخص زعيم المعارضة لتشمل قيادات حزبه؛ فقد توعدت إيزابيل دياث أيوسو، رئيسة إقليم مدريد، بقطع العلاقات وعسكرة الحدود إذا تسلمت الحكم. وفي السياق ذاته، منعت بلدية العاصمة مدريد، برئاسة خوسيه لويس مارتينيث-ألميدا، تنظيم معرض تضامني للصناعة التقليدية المغربية يقام بانتظام منذ عام 2016، متذرعة بشروط مستجدة لاستغلال الملك العام. ورغم غياب دليل قاطع على خلفية القرار، فإن الخطوة تكشف بوضوح كيف يلقي تسميم النقاش السياسي بظلاله القاتمة على جسور التعايش الثقافي.
ويكمن لب الأزمة في اتخاذ فييخو من المغرب أداة لتوجيه الضربات إلى الحكومة الإسبانية وورقة فزاعة دائمة في خطابه السياسي. فانطلق من معزوفة «الاحتلال»، وتدرج نحو تهم الابتزاز، وصولا إلى التلويح بالسقوط والوعيد بالرد. غير أن ترديد هذه الأقاويل لا يمنحها وزنا قانونيا، بقدر ما يفضح مناورة سياسية تسعى إلى إبقاء الاستنفار والتوتر على أشده.
يدعي زعيم الحزب الشعبي رغبته في قيادة بلد يرفض المواجهة، لكن خطابه يرسم مسارا مختلفا يقصر العلاقات مع الرباط على الشكوك ولغة الإنذارات واستعراض القوة. فحسن الجوار لا يبنى برفع التهديدات أو إلقاء الاتهامات جزافا، ويبقى التحدي مطروحا أمام فييخو في كيفية إقامة الشراكة التي يزعمها مستقبلا وهو يقوض ركائزها كل يوم.
