أباسكال وبارديلا يحلان بسبتة للدفاع عن أوروبا من قلب إفريقيا

زعيم حزب «فوكس» الإسباني اليميني المتطرف، سانتياغو أباسكال (على اليسار)، ورئيس حزب «التجمع الوطني» (RN)، جوردان بارديلا، في سبتة، يوم 12 أكتوبر 2026. AFP or licensors

في 12/10/2026 على الساعة 22:30

اختار سانتياغو أباسكال وجوردان بارديلا يوم 12 أكتوبر لعرض تحالفهما بين اليمين المتطرف الإسباني والفرنسي في مشهد استعراضي بسبتة.

إثر ذلك، اتهم الأول المغرب بالوقوف خلف «اجتياح»، واصفا المهاجرين بأنهم «ميليشيات سانشيز» ومطالبا بعسكرة الحدود، في حين توجه الثاني إلى سبتة ليعلن انتماءها الأوروبي ويحذر من تهديد مزعوم يتربص بـ«الحضارة».

وكان المشهد ليبعث على السخرية لولا خطورته وفداحته؛ إذ نزل ممثلا اليمين المتطرف لقوتين استعماريتين سابقتين، هذا الاثنين، في مدينة تقع فوق تراب إفريقي ليندبا وجود عائلات مغربية، ويحددا من فوق هذه الأرض بالذات أين تبدأ أوروبا و«حضارتها» وأين تنتهي.

ووصل سانتياغو أباسكال وجوردان بارديلا إلى سبتة عبر العبارة بعد عبور مضيق جبل طارق.

وللعام الثاني تواليا، قاطع رئيس حزب «فوكس» العرض العسكري وحفل الاستقبال الذي أقامه الملك والملكة بمناسبة العيد الوطني لإسبانيا؛ فبدأت طريقته الخاصة في الاحتفال بإسبانيا بازدراء صريح لمراسمها الدستورية الكبرى.

وبرر أباسكال مقاطعته برفضه الجلوس في منصة «مليئة بالخونة»، معتبرا أن واجبه في خضم هذا «الاجتياح» المزعوم كان يقتضي التواجد في سبتة.

ولإعادة تأكيد السيادة الإسبانية، شعر رئيس «فوكس» بضرورة غريبة للاستعانة بسياسي فرنسي؛ فبدت تبعية سبتة لإسبانيا، التي يقدمها على أنها غير قابلة للنقاش، وكأنها بحاجة إلى شهادة مصادقة يمنحها إياه جوردان بارديلا.

مغاربة أكثر من اللازم في نظر «فوكس»

وقبل الإدلاء بتصريحات للصحافة، جاب الرجلان عدة أحياء في المدينة برفقة مسؤولين محليين من «فوكس».

وفي أحد تلك الأحياء، اتخذت الجولة طابعا أشبه بالمرثية الاستعمارية؛ إذ استعاد الوفد حقبة السبعينيات حين لم تكن تسكن الحي سوى عائلات إسبانية، قبل أن يتحسروا على أن العائلات المغربية باتت تشكل الأغلبية هناك اليوم.

وانتهى الأمر بأحدهم إلى التوضيح بأن عددا كبيرا من هؤلاء السكان يحملون أيضا الجنسية المغربية.

وعلى إثر ذلك، انحرف الحديث لتصوير الأمر كمسألة جنسية، تفاديا للإفصاح علنا عما كان يقصده الجميع: الأصول وديانة السكان المسلمين.

غير أن التناقض بين وبسيط: فإذا كان هؤلاء مواطنين إسبانا، فإن وجودهم لا يمكن أن يشكل دليلا على «احتلال».

وإذا كان «فوكس» يرفض اعتبارهم إسبانا حقيقيين لأنهم مغاربة أو مسلمون، فإن المسألة لم تكن يوما قانونية ولا ترابية، بل هي مسألة هوية فحسب.

وهكذا، كاد اليمين المتطرف في إسبانيا وفرنسا يذرف الدموع أمام المشهد «الذي لا يطاق» لعائلات مغربية تعيش في مدينة إفريقية.

فالحزب الذي يزعم الدفاع عن «جميع سكان سبتة» استهل زيارته بتحديد من يستحق فعلا هذا الوصف.

وكان أباسكال أكثر فجاجة في تصريحاته، إذ قال: «مواطنونا في سبتة يعيشون تحت الحصار، وليسوا هم من يحتلون الشوارع اليوم».

وبعد دقائق معدودة، أضاف: «ما لا نراه في شوارع سبتة هم أهل سبتة؛ لم نر سوى غزاة يتجولون».

والأمر هنا لا يحتمل سوى فرضيتين: فإما أن عموم السكان اختفوا في ظروف غامضة أثناء زيارته، وإما أن أباسكال لم ير إلا ما جاء ليوثقه بعدسته.

وفي كلتا الحالتين، جرى استبعاد السكان ذوي الأصول المغربية من تعريفه لـ«أهل سبتة»، أيا كانت وثائقهم أو مكان ولادتهم أو عدد السنين التي قضوها في المدينة.

اتهام يرقى إلى مرتبة الحكم

ونعت زعيم «فوكس» التدفقات الكبيرة يومي 30 و31 يوليوز بأنها «اجتياح دبره المغرب وسمحت به» حكومة بيدرو سانشيز؛ مقدما بذلك اتهاما - لم يثبت حتى اليوم - وكأنه حقيقة مفروغ منها.

فتقرير الشرطة الإسبانية لم يثبت صدور أوامر بالعملية من الدولة المغربية.

كما كررت الحكومة الإسبانية تأكيدها على عدم امتلاك أي «دليل قاطع» ضد المغرب، في حين رفضت سلطات المملكة هذه الاتهامات وذكرت بتدخل قواتها الأمنية لمنع عمليات الدخول.

وبالمثل، فإن القرار الصادر عن البرلمان الأوروبي في 17 شتنبر لم يوجه رسميا أصابع الاتهام للمغرب بشن «حرب هجينة»؛ فرغم تنديده بتوظيف الهجرة وتأكيده على الموقف الإسباني بشأن سبتة ومليلية، فقد تحاشى تحميل المملكة المسؤولية المباشرة عن تلك التحركات.

غير أن أباسكال تحلل من كل هذه التحفظات في جملة واحدة؛ فدون دليل جديد، ودون وثيقة غير مسبوقة، ودون أي حكم قضائي، اكتفى بإعلان إدانة المغرب أمام الكاميرات قبل أن ينتقل مباشرة إلى إعلان العقوبة.

وطالب قائلا: «يجب طرد جميع الغزاة من المدينة، ويجب طردهم من الأراضي الإسبانية، جميعهم دون استثناء».

كما دعا إلى إرساء حدود «معسكرة ومعززة هيكليا» لمنع تكرار مثل هذه الأحداث.

وفضلا عن ذلك، وصف المهاجرين الذين لا يزالون داخل المدينة بـ«ميليشيات سانشيز».

ولا يبدو اختيار المصطلح بريئا؛ فالشخص المهاجر يمكنه المطالبة بحقوق وطلب المساعدة والاستفادة من حماية قانونية، أما «الميليشيا» فتتيح اختلاق صورة عدو يغدو الرد العسكري ضده أمرا مشروعا.

وهكذا أسقطت الصفة الإنسانية عن أولئك الذين عبروا الحدود: لم يعد هناك قاصرون، ولا طالبو لجوء، ولا ضحايا قضوا أثناء العبور، ولا أسر تنتظر عودة أبنائها؛ بل مجرد كتلة بشرية تحولت إلى جيش غاز، كي يظهر حل «فوكس» — المتمثل في الترحيل ونشر الجنود — كأمر بديهي.

بارديلا يكتشف أوروبا من إفريقيا

وأخذ جوردان بارديلا الكلمة بعد ذلك ليعلن أنه قدم إلى سبتة لمعاينة «خطر وجودي يهدد القارة الأوروبية برمتها».

كما جدد تأكيد حرصه على «أمن الإسبان وسيادة إسبانيا».

وطرح المسؤول الفرنسي رقما في غاية الدقة بلغ 86,800 حالة دخول، دون توضيح مصدر هذه الدقة؛ فالتقديرات المعلنة حتى الآن تتراوح بين 70 ألفا نقلتها وكالة رويترز ونحو 80 ألفا أوردتها الحكومة الإسبانية.

وأمام ذلك، أضاف بارديلا بضعة آلاف وتفصيلا رقميا بلا سند، لإضفاء طابع مأساوي تحذيري على نبوءته.

وصرح قائلا: «ما رأيناه هذا الصباح في جيب سبتة هو مستقبل أوروبا إذا لم نستعد السيطرة على حدودنا على وجه السرعة».

ووصف بارديلا سبتة بأنها أرض «إسبانية وأوروبية» ستبقى كذلك لقرون، رابطا الدفاع عنها بـ«هويتنا» و«قيمنا الحضارية».

غير أن الجغرافيا تأبى الانصياع للخطابات الانتخابية؛ فسبتة تظل في إفريقيا مهما تكرر نطق رئيس «التجمع الوطني» لكلمة «أوروبا».

وتعهد الزعيم الفرنسي بأنه إذا وصل حزبه إلى السلطة في فرنسا، فسيطالب باقتصار حرية التنقل في فضاء شنغن على مواطني الاتحاد الأوروبي فقط.

كما دافع عن إنشاء مراكز احتجاز خارج الاتحاد الأوروبي، ورأى أن مهمة وكالة «فرونتكس» يجب أن تنحصر في «الحماية والصد» بدلا من «الاستقبال وإعادة التوزيع».

ورغم تسويق الزيارة كبادرة تضامن مع سكان سبتة، فإنها خدمت بدرجة أولى حملته السياسية الخاصة؛ إذ أجاب بارديلا عن أسئلة تتعلق بأسعار المحروقات، والعنف في المدارس الفرنسية، وكشوفات موقع «ميديابارت» التي ربطته بحساب قديم نشر منشورات معادية للسامية على فيسبوك.

وهكذا اختزلت سبتة في نهاية المطاف إلى ديكور خارجي يخاطب منه مرشح فرنسي ناخبيه، بينما تقمص أباسكال دور «كومبارس» فاخر في الحملة الرئاسية لضيفه.

حين يلقي اليمين المتطرف دروسا في الحضارة

ويكتسي إصرار بارديلا على «القيم الحضارية» دلالة خاصة على ضوء تاريخ حزبه؛ فحزب «التجمع الوطني» وريث مباشر لـ«الجبهة الوطنية» التي تأسست عام 1972 على يد جان ماري لوبان وتيارات متباينة من أقصى اليمين الفرنسي.

وكان من بين مؤسسيها وأول أمين صندوق لها، بيير بوسكيه، المحارب السابق في فرقة «شارلمان» التابعة لـ«ففن إس إس» (Waffen-SS) النازية.

كما ضم الحزب دعاة الحنين إلى «الجزائر الفرنسية»، ومتعاونين سابقين مع الاحتلال النازي، وناشطين من منظمات فاشية جديدة.

إن تبديل الاسم ومحاولات «تلميع الصورة» التي قادتها مارين لوبان لا يمحوان هذا النسب السياسي.

وعليه، فإن حلول بارديلا، الوريث السياسي لحزب تأسس بمشاركة عضو سابق في منظمة نازية، بأرض إفريقية ليشرح للمغاربة معنى الحضارة الأوروبية، مفارقة تسقط معها الحاجة إلى أي تعليق.

أما تاريخ حزب «فوكس» فأحدث عهدا، غير أن علاقته المزدوجة بالحدود جديرة بالتذكير؛ فقد نشأ الحزب عام 2013 إثر انشقاق عن الحزب الشعبي الإسباني قاده بالخصوص أليخو فيدال-كوادراس وسانتياغو أباسكال وخوسيه أنطونيو أورتيغا لارا.

وفي عام 2014، شارك مسؤولون من الحزب في انتزاع كتلة خرسانية وضعت في المياه المحاذية لجبل طارق.

وبعد ذلك بعامين، تسلل ناشطون من «فوكس» إلى الصخرة ورفعوا هناك علما إسبانيا بمساحة 18 مترا على 11 مترا.

واعتقل حينها رئيس فرع الحزب بمدريد، بينما احتفى أباسكال بالعملية معلنا بحماس: «تمت المهمة».

وعقيدة «فوكس» الحدودية واضحة المعالم: فحين يقتحم ناشطوه جبل طارق لغرس علم والمطالبة بأرض تديرها دولة أخرى، فذلك عمل وطني؛ وحين يجتاز آخرون حدود سبتة، يصبح الأمر على الفور اجتياحا وحربا هجينة.

فالحدود مقدسة، إلا حين يقرر «فوكس» انتهاكها.

ضيف أجنبي لمنح شهادة بالسيادة

ولم يكن حضور بارديلا مجرد لقاء بين حليفين أوروبيين؛ فقد استقدم أباسكال عمدا مسؤولا سياسيا أجنبيا إلى أرض يطالب المغرب بسيادتها، وتحديدا في 12 أكتوبر، ليدلي بدعم علني للموقف الإسباني.

وهي خطوة يصعب التوفيق بينها وبين منطقه المعلن؛ فـ«فوكس» يشدد على أن السيادة على سبتة لا تقبل أي تدخل خارجي، لكنه يدعو سياسيا فرنسيا للإدلاء برأيه فيها.

ويرفض الحزب أي تحرك مغربي بذريعة أنه شأن إسباني بحت، لكنه لا يتردد في تدويل القضية ما دام يرى فيها فرصة لالتقاط صورة انتخابية.

وينظر المغرب إلى سبتة ومليلية كأثرين من آثار الاحتلال الاستعماري، مجددا عزمه على معالجة هذه المسألة بالحوار.

وفي المقابل، ترفض إسبانيا أي تفاوض وترى أن المدينتين تشكلان جزءا لا يتجزأ من ترابها.

وهذا النزاع قائم ولن يمحوه وضع أباسكال لإكليل من الزهور، أو إلقاؤه خطبة عن «العظمة»، أو مطالبته بانتشار عسكري.

وحتى التاريخ المختار حمل مفارقة إضافية؛ إذ يخلد 12 أكتوبر بداية التوسع الإسباني في أمريكا، واحتفل به أباسكال في إفريقيا برفقة زعيم حزب فرنسي ترتبط أصوله بالمدافعين عن الجزائر الاستعمارية، ثم مضى الاثنان لتصوير العائلات المغربية على أنها تهديد لهوية مدينة إفريقية.

ولم تكن الزيارة دفاعا عن العيش المشترك ولا حماية لعموم سكان سبتة، بل كانت استعراضا لحنين استعماري دثر بغطاء المتطلبات الأمنية للحدود.

ولم يقطع أباسكال وبارديلا هذه المسافة لحماية السكان، بل ليفرزا من يستحق منهم أن يعترف به، ولم يقدما أي جواب لأزمة إنسانية، مكتفيين بحديث الطرد ومراكز الاحتجاز وعسكرة الحدود.

كما أنهما لم يتحاورا مع السكان ذوي الأصول المغربية، بل تحدثا عنهم، وضدهم.

وفي المحصلة، خلفت هذه الزيارة صورة أبعد ما تكون عما تطلع إليه الرجلان: ممثلان لليمين المتطرف يحلان بمدينة إفريقية ليوزعا شهادات الانتماء ويندبا كثرة المغاربة حولهما؛ فكانت الزيارة، أكثر من مجرد إظهار للحزم، إقرارا بقومية مذعورة من الجغرافيا، ومن التاريخ، وقبل كل شيء، من جيرانها.

تحرير من طرف فائزة غول
في 12/10/2026 على الساعة 22:30