الصحراء: ما تغير وما بقي ثابتا في مشروع قرار مجلس الأمن

Une patrouille de la Minurso en mission au Sahara.

دورية تابعة لبعثة الأمم المتحدة (MINUSO) في مهمة بالصحراء

في 27/10/2026 على الساعة 14:15

بين المسودة الأولية التي صاغها حامل القلم والنص المعدل المعروض على مجلس الأمن الدولي، تلطفت لغة الصياغة الدبلوماسية وبقي الجوهر ثابتا دون مساس.

ومع موافقة واشنطن على إضفاء مرونة على الجدول الزمني العسكري وإعادة إدراج بعض المعجم الأممي المألوف لتأمين الإجماع، يظل التوجه العقائدي الراسخ، المتمثل في حصرية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وطي عقيدة الاستفتاء، محفورا في صلب القرار.

وتشكل كواليس مجلس الأمن، خلال الانتقال من «النسخة الصفرية» لمشروع قرار 2026 بشأن الصحراء إلى نسختها المعدلة المنبثقة عن مشاورات دبلوماسية مغلقة، درسا نموذجيا في فن التفاوض الدولي.

وتكشف قراءة مقارنة بين النسختين كيف نجحت الدبلوماسية الأمريكية في تليين القالب الشكلي لتأمين المكاسب الجوهرية، عبر تقديم تنازلات إجرائية ضمنت الإجماع، مع تحصين التحول الاستراتيجي الداعم لمخطط الحكم الذاتي المغربي، وإسقاط أي إحالة على الاستفتاء، بما في ذلك التسمية والمهام الميدانية للبعثة الأممية.

حسم التحول العقائدي

وحافظ صلب النص الاستراتيجي على تماسكه التام بين النسختين رغم إعادة الصياغة، إذ لم يتراجع مجلس الأمن قيد أنملة عن الثوابت السياسية والإنسانية المحددة سلفا.

ويكرس مشروع القرار في نسختيه مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب بوصفها المرجعية الوحيدة للمفاوضات، ملزما الأطراف بالتفاوض على أساس «مقترح الحكم الذاتي المغربي كأرضية حصرية»، وصياغة ردودها وفق هذه الرؤية تحديدا في منطوق القرار الإجرائي.

وثبتت النسختان التغيير التاريخي في اسم البعثة الأممية، إذ تحولت بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» إلى بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية «مينوسو»، بعدما نصت المسودة الأولية على «بعثة الأمم المتحدة من أجل حل سياسي في الصحراء الغربية».

وفي كلتا الحالتين، أسقطت كلمة «استفتاء» بصفة نهائية من الاسم المختصر ومن صميم التفويض الممنوح للبعثة.

وحصنت الهندسة الدبلوماسية الأمريكية موقعها بالكامل في النصين، عبر التنصيص الصريح على «قيادة الرئيس ترامب لتسوية النزاع»، والترحيب بدعوته الموجهة إلى الأطراف، إلى جانب تأكيد الدعم المطلق للأمين العام ومبعوثه الشخصي ستيفان دي ميستورا، وتثبيت دور واشنطن ميسرا للجولات الثلاث من المحادثات المباشرة بين واشنطن ومدريد.

وعلى الصعيد الإنساني، تمسك المجلس بصرامته المعهودة دون أي تراجع، مجددا إنذاره للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بضرورة «استكمال تسجيل ساكنة مخيمات تندوف في غضون ستة أشهر»، وفق معايير القانون الدولي، ودون تدخل أي جهة، مع ضمان الوصول الميداني دون قيد أو شرط، وهو المطلب الوارد بنصه في الفقرة التنفيذية التاسعة من المسودة المعدلة بعدما كان في العاشرة سابقا.

تعديلات دلالية وإعادة ضبط الجدول الزمني

وأدخلت النسخة المعدلة مرونة لغوية استهدفت استقطاب الدول الأعضاء المتشبثة بالأعراف القانونية الأممية أو المتخوفة من سابقة عقائدية حادة.

واستبدل الصائغ عبارة «الحل الوحيد القابل للتطبيق»، التي وصفت بها المسودة الصفرية الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية، بصيغة عملية تعرف المقترح بكونه «الحل الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ».

وفي السياق ذاته، أعادت التعديلات إدراج «مبدأ تقرير المصير» في الديباجة وفي صلب الفقرة التنفيذية، بعدما اكتفت المسودة الأولى بإيراده في الديباجة فقط.

ولا يحمل هذا التعديل أي تغيير في الجوهر، بحكم أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل، نصا وروحا وواقعا، تجسيدا حقيقيا لمبدأ تقرير المصير.

وبرز التباين الأوضح بين الصيغتين على المستوى العملياتي والعسكري، إذ استبدل النص المعدل الجدول الزمني الصارم بمرونة أكبر.

وتخلت المسودة الجديدة عن إنهاء مهمة حفظ السلام بحلول 30 أبريل 2027 وتحويلها تلقائيا ابتداء من فاتح ماي إلى «بعثة سياسية خاصة» تنتهي في 31 أكتوبر 2027، واعتمدت بدلا من ذلك تمديد الانتداب الاعتيادي حتى 31 أكتوبر 2027، مع سريان التسمية الجديدة ابتداء من فاتح نونبر 2026.

وحذفت النسخة المراجعة الإلزام الرقمي الفوري الذي فرضته المسودة الصفرية، والقاضي بـ «تقليص أفراد البعثة النظاميين بنسبة 50 في المائة على الأقل قبل 31 يناير 2027» مع الإغلاق العاجل لبعض المواقع وتجميعها.

وأدرجت إعادة هيكلة العناصر العسكرية وتدبير المواقع الميدانية ضمن إطار تقييم استراتيجي شامل، حيث طُلب من الأمين العام تقديم مقترحات مفصلة قبل 30 يناير 2027، عوضا عن موعد 15 دجنبر 2026 الذي حددته المسودة الأولى.

وأضاف المجلس بندا جديدا يعلن فيه عزمه «حسم مستقبل البعثة، بما يشمل تحويل طبيعة انتدابها، على ضوء مقترحات الأمين العام والتقدم المحرز في العملية السياسية».

وخفف النص المراجع من نبرته الهجومية المباشرة في تحديد المسؤوليات السياسية، بعدما خصصت المسودة الأولى فقرة كاملة لإدانة الهجوم الذي نفذته جبهة البوليساريو في 5 ماي 2026 على مدينة السمارة، مع التنديد بضعف انخراط الطرف الانفصالي في المسار التفاوضي.

ودمجت النسخة المعدلة إدانة الهجوم ضمن فقرة أوسع تتعلق بوقف الأعمال العدائية، مع سحب الإشارة الصريحة إلى غياب الالتزام، وإلغاء ما لوحت به النسخة الأولى حول نية المجلس «بحث تدابير جديدة في حال إخفاق الأطراف في الانخراط البناء».

وتؤكد هذه التعديلات أن المسودة المنقحة لم تمس جوهر المسار المرسوم، إذ يظل مقترح الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد المطروح للتفاوض، وتفقد بعثة «مينورسو» مصطلح الاستفتاء من تسميتها، فيما يحافظ حسم إحصاء ساكنة مخيمات تندوف على صدارته في الأولويات الإنسانية.

واستطاع حامل القلم الأمريكي، عبر تهذيب المفردات وتليين الجدول الزمني وتفويض التدابير الميدانية لتقارير الأمين العام المرتقبة، تكييف القالب الشكلي لتأمين تمرير المضامين الاستراتيجية بسلاسة داخل مجلس الأمن.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 27/10/2026 على الساعة 14:15