في الصحافة، يقال إنه ينبغي ألا تُستهدف سيارة الإسعاف. فليكن. ولكن سيارة الإسعاف على الأقل لها فضل تقديم المساعدة. إلا أن حكومة عزيز أخنوش كانت تخدم مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى. وقد انتهى ذلك الآن. فبعد انتخابات أعلنت نتائجها الأولية رسميا يوم 24 من قبل وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، بات المشهد السياسي المغربي على أعتاب تحول تاريخي. مع نسبة مشاركة وطنية بلغت 38%، جاءت نتائج الانتخابات كتصويت عقابي على حصيلة الحكومة المنتهية ولايتها، بقيادة التجمع الوطني للأحرار وأخنوش نفسه.
وتظهر التركيبة المؤقتة لمجلس النواب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، بفارق كبير عن التجمع الوطني للأحرار الذي حل في المركز الثاني بـ66 مقعدا فقط، يليه حزب الاستقلال (65 مقعدا) ثم حزب العدالة والتنمية (54 مقعدا).
بالنسبة لحزب عزيز أخنوش، يعد هذا التراجع أكثر إيلاما، لا سيما بعد أن حقق في عام 2021 فوزا ساحقا بـ102 مقعدا، مرسخا مكانته كقوة مهيمنة على الساحة السياسية. ثم اندحر اندحارا كبيرا: فقد نصف هذا العدد في أقل من خمس سنوات. بفضل موارد هائلة تمت تعبئتها ميدانيا وعبر الإنترنت، واقتناعهم التام بفعالية آلتهم الانتخابية، كان قادة حزب التجمع الوطني للأحرار يعولون على نصر ساحق. لكنهم لم يحسبوا حسابا لغضب المواطنين. الآن، سيضطر حزب رئيس الحكومة المنتهية ولايته إلى الاكتفاء بدور ثانوي، على الأرجح في صفوف المعارضة، إذ أوصد حزب الأصالة والمعاصرة الباب أمام أي تحالف مستقبلي معه.
البيزنيس الانتخابي أمام جدار الواقع
في محاولة للاحتفاظ بالسلطة، لجأ حزب التجمع الوطني للأحرار وعزيز أخنوش إلى وصفة مستهلكة: الاعتماد على الأعيان المحليين القادرين على حشد الأصوات في معاقلهم، وضخ أموال طائلة في حملة انتخابية أشبه بحملة البلوتوقراطية، وتفعيل جميع أدوات «البيزنس الانتخابي».
إلا أن هذه الاستراتيجية المنفصلة عن الواقع قد انهارت أمام حصيلة الحكومة الكارثية. في شتنبر 2021، وتحت شعار خادع #أنت تستحق الأفضل، وعد الحزب ببرنامجٍ «مرقم، موثوق، وقابل للتنفيذ». بعد خمس سنوات، باتت الحقيقة واضحة لا لبس فيها: لم يف عمليا بأي من الوعود.
فبدلا من مليون منصب شغل التي وعد بها الحزب لإنعاش اقتصاد ما بعد جائحة كوفيد-19، تجاوزت البطالة عتبة تاريخية بلغت 13%، مثقلة كاهل الشباب والخريجين. ورغم الدعاية المحيطة بالأوراش الاجتماعية، انزلق نظام المستشفيات العمومية إلى أسوأ أزمة له، تميزت بهجرة جماعية للأطباء وتعميم الصحاري الطبية. وشلت المدارس العمومية لأشهر بسبب إضراب الأساتذة. والنتيجة سنة دراسية ضائعة، وعائلات تم التخلي عنها. وفي مواجهة المضربين، أبدت الحكومة في البداية استخفافا، ثم استسلمت بعد فوات الأوان، دون أن تنقذ شيئا.
فضائح وأزمات وتداخل المصالح
السخط الشعبي عميق لدرجة أن الطاقة والأموال التي استثمرها التجمع الوطني للأحرار قد أهدرت. ستبقى فترة حكم عزيز أخنوش محفورة في الذاكرة بأزمات خطيرة وفضائح مدوية قضت نهائيا على مصداقية العمل السياسي.
وقد أبرزت الاحتجاجات الشعبية التي قادتها حركات مثل جيل زد الفجوة بين الأجيال في ظل غلاء المعيشة وازدراء النخب. تُضاف إلى ذلك ملفات بارزة، مثل فضيحة مستشفى آكادير والخلل الفادح في منح الإعانات الفلاحية، كاشفة عن تدبير تكنوقراطي منفصل عن معاناة العالم القروي الذي عانى من جفاف تاريخي.
والأسوأ من ذلك، أن فترة حكمه التي امتدت لخمس سنوات شابتها حالة من التداخل غير المسبوق بين السياسة العليا ومصالحه الخاصة على رأس شركات نافذة. ولأول مرة، ترأس حكومة المغرب رجل يرأس في الوقت نفسه إحدى أبرز المجموعات الخاصة في البلاد، ولم ير قط ضرورة للاختيار بينهما. لم تعد هناك أي حواجز بين شركاته والدولة، بل روابط وثيقة. وحصل العديد من الأطر العاملة من مجموعته على مناصب وزارية أو قيادية في مؤسسات استراتيجية. وتقدمت شركات مرتبطة به لطلبات العروض، بدءا من مناقصة محطة تحلية مياه الدار البيضاء الكبرى. وبينما كان المغاربة يدفعون أسعارا باهظة للوقود، ظل رئيس الحكومة أحد الفاعلين الرئيسيين في سوق المحروقات.
لقد شهد المغرب من قبل رجال أعمال في السياسة، لكنه لم يعرف قط سلطة تتشابك فيها مصالح مجموعة ما مع مصالح الدولة إلى هذا الحد، بحيث يستحيل التمييز بينهما. وفرض مصطلح الأوليغارشية نفسه في النقاش العمومي. فشتان بين هذا الأداء ومكانة رجل الدولة الحريص على تقديم المصلحة العامة.
سيسجل التاريخ أن هذه الانتخابات تمثل إهانة سياسية حقيقية لحزب عزيز أخنوش. بات المشهد المؤسسي الآن مهيأ لتحول جذري في موازين القوى وأساليب الحكم. وهكذا، تظهر الديمقراطية المغربية قدرتها على طي صفحة الغطرسة التكنوقراطية، وإعادة تأكيد حقيقة أساسية: في السياسة، تظل الوعود المقطوعة وأخلاقيات المسؤولية ينتهي بهما المطاف حتما إلى فرض نفسهما أمام محكمة صناديق الاقتراع.
أمام محك السلطة، أثبتت تكنوقراطية التجمع الوطني للأحرار أن بين الوعود البراقة والواقع المرير للتدبير العمومي هوة سحيقة لا يمكن ردمها إلا بحكم المواطنين السيادي.
يترك عزيز أخنوش وراءه خطابا عموميا فقد مصداقيته، كما يترك سابقة خطيرة: فكرة إمكانية تسيير حكومة بلد دون التوقف عن تدبير مشاريعه. ستكون المهمة الأولى للحكومة المقبلة هي إعادة التأكيد على حقيقة بديهية طمستها هذه الولاية الحكومية: الدولة ليست مجرد فرع تابع لشركة.
