خصص المعارض المنفي سعيد بنسديرة، عبر قناته على منصة يوتيوب، بثا مباشرا امتد لنحو ساعتين للحديث عن أزمة البطاطس. وقد لخّص عنوان الحلقة جوهر الطرح بالقول: «سبع سنوات عجاف: لا بطاطس ولا حليب ولا عجلات ولا زيت». وباعتباره ناطقا باسم جنرالات سابقين طبعوا مرحلة الأزمة الأمنية، لا يمثل بنسديرة معارضا عاديا؛ إذ إن تبني هذه الدوائر للبطاطس مادة لمحاكمة السلطة يعكس تجاوز الأزمة لحدود الأسواق الشعبية.
وتلخصت مرافعة المعني في عبارات معدودة، حيث صرح قائلا: «لم نتمكن من تسوية أزمة الحليب، ولا مشكلة البطاطس، ولا أزمة الزيت»، منتقدا بشدة المسؤولين الذين يتغنون بكون الجزائر «قوة إقليمية» و«دولة محورية».
وأردف موضحا أن الشعب بات يصارع من أجل الظفر بحبات بطاطس، مرجعا انطلاق هذه السنوات العجاف إلى سنة 2020 وتولي عبد المجيد تبون مقاليد الحكم. ولم يتردد في البوح بهاجس السلطة الأكبر، متسائلا: «كان الحراك سلميا وحضاريا لأن بطون الشعب كانت ملأى، لكن ماذا سيحدث لو خرج جائعا؟»
بيد أن الواقع لا يحتاج إلى شهادة بنسديرة، إذ تكفي قراءة البيانات الرسمية لنقش الصورة، ففي الخامس من نونبر، ترأس الوزير الأول سيفي غريب اجتماعا عبر تقنية التناظر المرئي ضم أعضاء حكومته وولاته، خصص لإطلاق منصة رقمية لمراقبة الأسعار، مع إصدار توجيهات بفرض تدابير قانونية وردعية فورية في مواجهة المضاربين، وفق ما نقلته الصحافة المحلية.
وقبل ذلك، أمر رئيس الجمهورية خلال شهر مارس بإدراج المتورطين ضمن قوائم سوداء وحظرهم أبديا من ممارسة التجارة. وفي أكتوبر 2021، لوح بإنزال عقوبة الإعدام بحقهم. ومنذ ذلك الحين، أقر التشريع عقوبات تصل إلى ثلاثين سنة سجنا نافذا في قضايا الاحتكار المرتبط بالخضر، وتصل إلى السجن المؤبد في حال العمل ضمن شبكات منظمة.
لا تقدم أي دولة تحترم نفسها على تعبئة مؤسسة الرئاسة ومصالح الوزارة الأولى والجهاز القضائي وعمال الإدارة الترابية لأجل درنة أرضية. وحين يحدث ذلك، فإن البطاطس تفقد صفتها الاستهلاكية لتغدو مقياسا سياسيا عالي الحساسية. وفي الساحة الجزائرية، تقيس هذه المادة الهوة الساحقة بين الخطابات الرسمية المروجة لمفهوم «الجزائر الجديدة» والريادة الإقليمية، وبين واقع يوميات المواطنين الذين يحصون دنانيرهم بحسرة أمام طاولات عرض خاوية.
غير أن مؤشرات هذا البارومتر تصر على الثبات في مربع الأزمات؛ ففي الواحد والثلاثين من أكتوبر 2021، كانت صحيفة «الشروق» تعنون بأسى: «البطاطس بـ150 دينارا.. والمواطن تحت الصدمة!». وها هو موقع «لو ماتان دالجيري» يرصد في السادس من نونبر 2026 استقرار ثمنها بين 140 و150 دينارا، هذا إن توفرت في الأسواق أصلا.
تعاقبت السنوات ولم يتغير شيء؛ فبعد مرور خمسة أعوام كاملة، بقيت الأسعار ذاتها، وتكررت الأعذار ذاتها، وتجددت الوعود العرقوبية نفسها. رغم ذلك، لا يفتقر النظام إلى الآليات أو الوقت للاستعداد المسبق. فقد أُحدث النظام العام لضبط المنتجات واسعة الاستهلاك (سيربالاك) منذ سنة 2008، وبعد مرور ثمانية عشر عاما، يُكتفى بالإعلان عن عمليات إخراج المحجوزات من غرف التبريد بعد تفاقم الندرة ووقوع الواقعة، بواقع 120 طنا في المدية و6700 طن موعودة بولاية بومرداس، بحسب منصة «مغرب إيميرجون». هكذا تدير السلطة الأزمات؛ لا تبادر إلى الاستباق، بل تكتفي بمعاينتها والبحث المحموم عن كباش فداء.
من هنا تكتسب البطاطس رمزيتها الكاملة كمؤشر فاضح على عجز النظام؛ فهي لا تحتاج إلى تكنولوجيا متقدمة ولا إلى استثمارات أجنبية ضخمة، بل تستوجب فقط تخطيطا دقيقا للمواسم الزراعية، وملء غرف التبريد في أوقاتها المناسبة، وترك التجار يزاولون أعمالهم بحرية.
إن دولة تعجز عن تدبير هذا الملف طيلة خمس سنوات كاملة، رغم الترسانة التشريعية والتهديدات وسلطة السجون، تكشف عن خلل بنيوي أعمق من مجرد اضطراب عابر في السوق؛ إنها تفضح سلطة تفتقر لأبجديات الاستشراف والتدبير، وتلجأ لتغطية عجزها الشنيع إلى لغة التخويف والترهيب.
لقد حول النظام الجزائري حبة البطاطس إلى قضية دولة، فصارت في المآل الأخير لائحة اتهام دائنة لفشله الذريع. فسلطة تهدد بالقتل تجارها، وتزج بفلاحيها في السجون، وتعجز حتى اللحظة عن تأمين أبسط حاجيات السوق، باتت عاجزة عن تقديم أي أفق أو وعد للجزائريين، وهو واقع أقرّت به حتى تلك الأصوات التي نذرت نفسها لخدمة أركان الحكم طويلا.
