وتفجرت هذه الانتفاضة التهكمية في الفضاء الرقمي والشارع العام إثر قفز سعر الكيلوغرام الواحد إلى ما بين 140 و180 دينارا وتبخر قرار وزارة التجارة القاضي بتسقيفه عند 90 دينارا، الأمر الذي عرى الهوة الساحقة بين شعارات «القوة الإقليمية» وواقع الطوابير الطويلة التي يكابدها الجزائريون يوميا للظفر ببضع حبات.
طوابير جديدة وكوميديا سوداء
هيمنت مشاهد الطوابير الممتدة أمام محلات الخضر، واضطرار عائلات بأكملها للنزوح نحو الحقول لجني «البطاطا» بأيديهم، على تعليقات الجزائريين الذين واجهوا هذا البؤس المعيشي بسلاح التهكم.
وانفجرت منصات التواصل الاجتماعي بموجة من السخرية اللاذعة التي حولت الندرة التموينية إلى محاكمة شعبية للسياسات الحكومية وعجزها عن ضبط الأسواق.
وفي هذا الصدد، لخصت الناشطة أحلام بورها على منصة «فيسبوك» حجم المأساة بنبرة ساخرة، مؤكدة أن طهي طبق من هذه المادة بات يستوجب تخطيطا مسبقا وحسابا دقيقا للميزانية واجتماعا عائليا طارئا بعدما ظلت لعقود ملاذا للفقراء في وجباتهم اليومية.
وتساءلت المتحدثة ذاتها بتهكم لاذع عن الطبقة الاجتماعية الراقية التي باتت تنتمي إليها عقب نجاحها في امتلاك ست حبات كاملة، للدلالة على القيمة الباهضة التي خلقتها الندرة لحبة البطاطس.
وفي المنحى ذاته، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي على نطاق واسع مقاطع فيديو سابقة للرئيس تبون يجزم فيها بأن أسعار «البطاطا» لن تتجاوز أبدا عتبة 60 دينارا، متندرين من رئيس دولة لم يقو حتى على ضبط سعر مادة استهلاكية واحدة فكيف له أن يضبط الميزانية العامة للبلاد.
وبالتزامن مع هذا الغليان الافتراضي، نعى مغردون على منصة X «سيدة المائدة» معلنين أنها التحقت رسميا بفاكهة الموز وأصبحت «في ذمة الله»، بينما اقترح آخرون إطلاق تطبيقات رقمية ذكية لتعقب أماكن بيعها السرية على غرار تطبيقات حجز سيارات الأجرة.
وانتقلت السخرية إلى مستوى أكثر غرابة مع تداول مقاطع فيديو توثق طوابير طويلة لمواطنين ينتظرون دورهم من أجل الظفر ببضع حبات، أو لجوء عائلات مباشرة إلى الحقول لجنيها بأنفسهم عوض شرائها.
ولم يسلم الخطاب الدعائي للسلطة من نيران السخرية عقب مسارعة صفحات موالية للنظام إلى محاولة التغلب على «عقدة الطابور» وتجميل الفضيحة، إذ تغنت بما وصفته بـ«المشهد الحضاري الجميل» لاصطفاف المواطنين بنظام تحت أعين رجال الأمن، بل وذهبت هذه المنصات إلى حد المطالبة باعتقال كل من ينفي توفر «البطاطا» بتهمة تسريب أسرار الدولة الجزائرية إلى «المروك».
سبع سنوات عجاف تفضح شعارات القوة الإقليمية
تجاوزت موجة التهكم حدود المواطن البسيط لتصل إلى أصوات محسوبة تاريخيا على دوائر المؤسسة العسكرية، ما يعكس تحول درنة الأرض إلى أداة سياسية لمحاكمة أركان الحكم.
وفي هذا السياق، خصص المعارض المنفي سعيد بنسديرة بثا مباشرا امتد زهاء ساعتين تحت عنوان «سبع سنوات عجاف: لا بطاطس ولا حليب ولا عجلات ولا زيت»، مهاجما المسؤولين الذين يتغنون بشعارات «القوة الإقليمية» و«الدولة المحورية» بينما يصارع الشعب يوميا لتأمين قوته الأساسي منذ تولي تبون مقاليد الحكم سنة 2020.
والتقت هذه الانتقادات مع تدوينات مواطنين، من بينهم مستخدم يدعى «سمير»، ربطوا أزمة الخضر بتآكل القدرة الشرائية وأزمة الزيت وغلاء السيارات بفعل التضخم، متسائلين عن سر عجز المواطن عن تلبية أبسط حاجياته في بلد يزخر بالثروات والمساحات الزراعية الشاسعة.
ولم يتردد بنسديرة في إثارة الهاجس الأكبر للسلطة حين تساءل عن مآل الشارع في حال خروج الشعب جائعا، مشيرا إلى أن سلمية الحراك السابق ارتبطت بكون البطون ملأى آنذاك.
ترسانة عقوبات وإجراءات فاشلة
تفضح طريقة تدبير السلطة لهذا الملف هوة سحيقة تفصل بين القرارات المتخذة داخل المكاتب المكيفة وواقع الأسواق الخاوية التي يحصي أمامها المواطنون دنانيرهم بحسرة.
ولم تفلح الاجتماعات الطارئة التي عقدها الوزير الأول سيفي غريب هذا الأسبوع مع وزرائه وولاته، ولا خطوة إطلاق منصة رقمية لرصد الأسعار يوميا في مختلف مراحل التسويق، أو حتى التعليمات الصارمة بالمعاقبة الفورية للمضاربين، في كسر شوكة الغلاء وإعادة «سيدة المائدة» إلى قفة المواطن.
وتعكس هذه التحركات ارتهان النظام لمقاربة أمنية عقيمة دأب على تفعيلها دون جدوى؛ فمن تلويح الرئيس عبد المجيد تبون بعقوبة الإعدام في أكتوبر 2021، إلى أمره في مارس الماضي بإدراج التجار المخالفين ضمن قوائم سوداء تحرمهم أبديا من ممارسة النشاط التجاري، وصولا إلى تشريعات تقضي بالسجن ثلاثين عاما وترتفع إلى المؤبد في قضايا الاحتكار المنظم، ظلت لغة الترهيب عاجزة عن تأمين الطعام للجزائريين.
وفي مقابل هذه الترسانة الزجرية، تصطدم أوامر التسقيف بحقائق الميدان العنيدة؛ إذ يؤكد مهنيون ومتعاملون في السوق، وفق ما نقله المدون حكيم زين، أن تراوح السعر لدى الفلاح بين 70 و85 دينارا يجعل بيع الكيلوغرام للمستهلك في مدن الشمال بسعر 90 دينارا عملية مستحيلة أمام التهاب تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي يفسر قفز السعر الفعلي من 130 إلى 180 دينارا في غضون يومين فقط.
وأمام هذا الانسداد الميداني، أرجع الخبير الاقتصادي إبراهيم قندوزي، في تصريح لموقع «TSA»، أصل الندرة إلى تداخل أعطاب ضعف الإنتاج واختلالات التخزين وتعدد الوسطاء في انتظار جني المحاصيل الجديدة، بالتزامن مع دخول منظمة «حمايتك» للدفاع عن المستهلك على خط الأزمة للمطالبة بتكثيف الدوريات الرقابية وحث المواطنين على التبليغ عن المتجاوزين ومقاطعة نقاط البيع التي تفرض أسعارا خيالية.
ورغم إحداث نظام ضبط المنتجات واسعة الاستهلاك «سيربالاك» منذ سنة 2008، لا تزال الإدارة العمومية تدير الأزمات بمنطق رد الفعل المتأخر؛ مكتفية بالإفراج عن مخزونات غرف التبريد بعد استفحال الندرة في ولايات أولاد جلال وعين الدفلى والبويرة، إلى جانب ضخ 120 طنا في المدية وإطلاق وعود بإخراج 6700 طن في بومرداس بحسب منصة «مغرب إيميرجون».
وتؤكد قراءة المؤشرات الميدانية أن شيئا لم يتغير طيلة خمس سنوات كاملة؛ فمنذ أن عنونت صحيفة «الشروق» في 31 أكتوبر 2021 «البطاطس بـ150 دينارا.. والمواطن تحت الصدمة!»، عاد موقع «لو ماتان دالجيري» ليرصد في سادس نونبر الجاري السعر ذاته، لتتحول حبة «البطاطا» في المحصلة إلى لائحة اتهام دائمة تفضح غياب الاستشراف وعجز سلطة تستبدل التخطيط الزراعي بلغة السجون والترهيب.
