كيف نَسفت «أمنستي» مزاعمها بنفسها في تقرير «بيغاسوس» الأخير ضد المغرب

أمنستي. DR

في 02/10/2026 على الساعة 18:45

على مدار السنوات القليلة الماضية، تابع الرأي العام الدولي والمحلي واحدة من أكثر الحملات الإعلامية والحقوقية تسييسا واستهدافا للمملكة المغربية، تقودها منظمة العفو الدولية «أمنستي» تحت يافطة قضية برنامج التجسس «بيغاسوس».

ومع صدور التقرير الثالث والأخير للمنظمة (2026)، كان من المتوقع أن تقدم «أمنستي» أخيرا الدليل التقني والمادي القاطع الذي طالب به المغرب طيلة أكثر من خمس سنوات. وبدلا من ذلك، قدمت المنظمة وثيقة إدانة لنفسها، حيث جاء التقرير الجديد حافلا بتناقضات صارخة وتراجعات مفضوحة تنسف السردية بأكملها من جذورها، وتؤكد أن الأمر لا يعدو كونه استهدافا سياسيا مُمنهجا يفتقر لأدنى مقومات المصداقية، ويبحث جاهدا عن الإدانة حتى ولو تطلب ذلك استغلال شهادات مجروحة.

فمن خلال قراءة متأنية ومقارنة بسيطة بين التقرير الأول الصادر في عام 2021 والتقرير الثالث الأخير، تكشف عن انهيار تام للحبكة، وتفضح تلاعبا مكشوفا في المعطيات والأسماء والمصادر، إلى حد يحول هذه التقارير من وثائق حقوقية يُفترض فيها التجرد، إلى مجرد مسودات سياسية رديئة الصياغة.

تبخُر الشخصيات الدولية واللعب بـ«الكاستينغ»!

في عام 2021، وبغية إحداث صدمة عالمية وجذب انتباه كبريات وسائل الإعلام، أسدل التقرير الأول لمنظمة أمنستي دور البطولة المطلقة على صحافيين وحقوقيين وسياسيين فرنسيين ودوليين، حيث ضمت القائمة المزعومة أسماء وازنة من مؤسسات إعلامية كبرى مثل وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) وموقع «ميديا بارت». كان الهدف واضحا: تدويل القضية وتأليب العواصم الأوروبية ضد الرباط.

لكن، وبشكل مثير للسخرية، تخلى التقرير الثالث عن هذا «الكاستينغ» الدولي الفخم. فقد اختفت الأسماء الفرنسية والدولية الرنانة التي استُخدمت كطعم إعلامي في البداية، ليحتفظ التقرير الأخير فقط بأسماء محلية تخدم بشكل مباشر وحصري سردية استهداف المغرب الكلاسيكية، مثل هشام منصوري وسليمان الريسوني وعمر الراضي. هذا الانتقاء المريب يطرح تساؤلا جوهريا: هل تبرمجت خوارزميات الاستهداف المزعوم فجأة لتستثني الأجانب وتقتصر على من لديهم ملفات محددة تتوافق مع أجندة «أمنستي» التشهيرية؟

أين اختفى قادة الدول من السردية الجديدة؟

من أبرز التناقضات التي تقضي على ما تبقى من مصداقية تقارير أمنستي، هو التراجع الدراماتيكي عن الأسماء السياسية الثقيلة. في التقرير الأول، لم تتورع المنظمة عن إقحام أسماء رؤساء دول وحكومات، متحدثة عن استهداف مزعوم لهواتف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ووزيرته في الدفاع، بل ووصلت الجرأة حد إدراج هاتف عاهل البلاد الملك محمد السادس ضمن قائمة المستهدفين.

واليوم، وبعد أن تبينت استحالة إثبات هذه المزاعم الخيالية، وبعد أن قامت دول مثل إسبانيا وفرنسا بإجراء تحقيقاتها الخاصة التي لم تفضِ إلى أي إدانة رسمية للمغرب، اختار التقرير الجديد الصمت المطبق تجاه هؤلاء السياسيين. فقد اكتفت «أمنستي» بإزالتهم من المشهد تماما، وعادت للتركيز حصرا على بعض الصحفيين والنشطاء الذين يضمنون بقاء الملف حيا في أروقة المنظمات غير الحكومية، متناسية أن هذا الحذف الانتقائي هو اعتراف ضمني بكذب الادعاءات الأولى.

من 50 ألف رقم إلى 103: مهزلة الأرقام والهواتف الثابتة

لعل الفضيحة الأكبر في سلسلة تقارير أمنستي تتجلى في التلاعب الفج بلغة الأرقام. التقرير الأول اعتمد على رقم مهول وصادم: 50 ألف رقم هاتفي مستهدف. وهو رقم استحال تصديقه تقنيا ومنطقيا، خاصة وأن القائمة المزعومة آنذاك تضمنت فضيحة تكنولوجية مدوية تمثلت في إدراج أرقام هواتف أرضية (ثابتة) غير موصولة بالإنترنت! كيف لبرنامج تجسس سيبراني متطور يعتمد على اختراق الهواتف الذكية أن يخترق هاتفا أرضيا تقليديا؟

أمام هذه الفضيحة التقنية التي أثارت سخرية الخبراء في أمن المعلومات، اضطرت «أمنستي»، في تقريرها الثالث، إلى تقليص القائمة بشكل مهول ومفاجئ، لتتحدث اليوم عن قائمة مصغرة جدا تضم 103 أرقام فقط. هذا التناقض الصارخ ليس مجرد خطأ هامشي، بل هو دليل مادي قاطع على أن قائمة الـ50 ألف رقم لم تكن سوى قاعدة بيانات عشوائية لا علاقة لها بأي اختراق، تم نفخها بغرض التهويل، وعندما طُولبت المنظمة بالدليل التقني، تقلص الرقم بقدرة قادر إلى ما يقارب 0.2% من العدد الأصلي.

المتاجرون بأسماء الضحايا: سُقوط الأسماء الموظفة قسرا

لم يقف التخبط عند هذا الحد. فالتقرير الأول زج بأسماء العديد من الشخصيات المغربية في محاولة لتوسيع دائرة «الضحايا المزعومين»، شملت شخصيات مثل رضى الزيرك، وأحمد نجيم، وأحمد رضى بنشمسي، وصولا إلى الإخوة زعيتر. غير أن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر كما يقال. فقد خرج العديد من هؤلاء الأشخاص بتصريحات علنية يشجبون فيها إقحام أسمائهم واستغلالها دون علمهم أو موافقتهم في معركة سياسية لا تعنيهم، مكذبين تعرضهم لأي اختراق. وما كان من منظمة «أمنستي»، التي تدعي حماية حقوق الإنسان، إلا أن قامت بإسقاط هذه الأسماء من تقريرها الأخير بكل برودة، متجاهلة الاعتذار لهم عن التشهير بهم واستخدامهم كحطب في حملتها. هذا التخبط يؤكد أن إعداد القوائم يتم بمنطق «النسخ واللصق» والتوظيف العشوائي، وليس بناءً على أدلة جنائية أو سيبرانية.

من «سيتيزن لاب» إلى هلوسات «سفير»: إفلاس الدليل المادي

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة اليوم هو: ماذا استجد فعليا بين تقريري 2021 و2026؟ ففي التقرير الأول، حاولت «أمنستي» إضفاء طابع من الشرعية التقنية والأكاديمية على مزاعمها من خلال التستر خلف تقارير «سيتيزن لاب» (Citizen Lab). ورغم أن خبراء مغاربة ودوليين فندوا منهجية المختبر وأكدوا افتقارها للأدلة القطعية التي تربط الاختراقات بدول معينة، إلا أن المنظمة ظلت تتشبث به. أما في التقرير الأخير، فقد بَلَغ الإفلاس منتهاه. لم يعد هناك أي سند تقني، بل اعتمد التقرير الجديد كليا على تصريحات مصدر مجهول ومزعوم أُطلق عليه الاسم الحركي «سفير» (Ambassador).

هذا الانحدار من محاولة الاستناد إلى تقارير تقنية (على علاتها) إلى الاعتماد على هلوسات وروايات شفهية لمصدر شبحي، يمثل النعي الرسمي لمصداقية التقرير. إن تحويل قضايا تجسس دولية معقدة إلى مجرد قصص تُروى على لسان مصادر مجهولة يعكس حالة اليأس التي وصلت إليها الجهات التي تقف خلف هذه الحملة، بعد أن عجزت طوال خمس سنوات عن تقديم خادم (Server) واحد، أو دليل سيبراني ملموس يربط المغرب بأي عملية اختراق.

وفي المحصلة، فإن التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية ليس إدانة للمغرب، بل هو وثيقة تبرئة له، وشهادة إدانة تاريخية للمنظمة نفسها. لقد برهنت «أمنستي» بتناقضاتها الصارخة، وتقليصها المضحك لأعداد المستهدفين، وتلاعبها بأسماء الشخصيات السياسية والحقوقية، واعتمادها على مصادر وهمية، أنها تخلت عن عباءة حقوق الإنسان لتلبس قبعة الفاعل السياسي المنحاز.

أما المغرب الذي طالب بالدليل المادي في اليوم الأول، فلا يزال يقف اليوم، بعد مرور سنوات، شاهدا على انهيار سردية بُنيت على الوهم، ونسفتها تناقضات أصحابها، ولم يعد من يصدقها سوى من يتماهى ويخدم سرديتها من قبيل هشام منصوري وسليمان الريسوني وفؤاد عبد المومني وعمر الراضي.. وكلهم (بالصدفة) من ذوي السوابق القضائية العديدة في هتك الأعراض واستباحة الأجساد.

تحرير من طرف هيئة التحرير
في 02/10/2026 على الساعة 18:45