بنطلحة يكتب: بوشعيب ارميل يلقي الضوء على أزمور حاضرة التاريخ

محمد بنطلحة الدكالي

في 27/07/2026 على الساعة 11:53

مقال رأيشهدت قاعة المحاضرات بدار الصانع بأزمور مداخلة قيمة بإشراف من مؤسسة استيبانيكو وتأطير الأستاذ الدكتور بوشعيب ارميل. بعنوان: أزمور: التاريخ والذاكرة، وقد تخللت هذه التظاهرة وصلات من فن الملحون، معشوق مدينة أزمور التي أنجبت لنا شيوخا كبارا في هذا المجال، منهم الشيخ أحمد بن رقية، والحاج بن مسعود الحجام والشيخ المكي بن الجيلالي.

أزمور التي كانت على الدوام، حاضرة من حواضر التاريخ، وكان السفر إليها عبارة عن رحلة إلى الحضارة، وهي في ذلك تظل منارة روحية وعمقا حضاريا، يحبل بالكثير من التاريخ...ذلك ما تطرق إليه الأستاذ بوشعيب ارميل في مداخلته القيمة، حيث أكد أن أزمور تعد من أعرق المدن التي ارتبط اسمها بمحطات مفصلية من تاريخ المغرب، فقد كانت جزءا من تشكل الدولة المغربية في العصر الوسيط، وشكلت إحدى أهم قواعد الصراع البرتغالي على الساحل الأطلسي، ثم دخل اسمها إلى تاريخ استكشاف أمريكا الشمالية عبر أحد أبنائها، مصطفى الأزموري، المعروف في المصادر الإسبانية باسم إستيبانيكو.

اكتسبت أزمور هذه المكانة بفضل موقعها على الضفة اليسرى لنهر أم الربيع، بالقرب من مصبه في المحيط الأطلسي. فقد ربطت بين الملاحة البحرية والمجال الداخلي لدكالة، وتحولت إلى مركز للتجارة، ومراقبة الطرق، وتبادل السلع، وهو ما منحها أهمية اقتصادية وعسكرية منذ وقت مبكر.

وكانت أزمور خلال العصر الوسيط جزءا من مجال تامسنا، قبل أن تشهد مع قيام الدولة المرابطية مرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار. وخلال العهدين الموحدي والمريني تعززت مكانة المدينة، وشهدت حركة تجارية نشطة، وأنشأ بها السلطان المريني أبو الحسن مدرسة علمية في القرن الرابع عشر، كما احتضنت ملاحا يهوديا، وعددا من الزوايا، واشتهرت بالملحون وصيد الشابل في نهر أم الربيع.

ومع بداية عصر الكشوف الجغرافية أصبحت أزمور هدفا لأطماع البرتغال، الساعية إلى السيطرة على الموانئ الأطلسية المغربية وتأمين طريقها البحري نحو إفريقيا والهند. وفي سياق التوسع البرتغالي على السواحل المغربية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، احتلت القوات البرتغالية بقيادة دوق براغانزا مدينة أزمور في 2 شتنبر 1513، وظلت تحت سيطرتها ثمانية وعشرين عاما. وشارك في هذه الحملة البحار البرتغالي فرديناند ماجلان، الذي خلد اسمه لاحقا بقيادة أول بعثة بحرية أكملت الإبحار حول العالم.

وخلال الاحتلال عزز البرتغاليون تحصينات المدينة، وأعادوا بناء أجزاء من الأسوار، وشيدوا أبراجا دفاعية ومنشآت عسكرية وإدارية داخل القصبة، لتصبح أزمور إحدى أهم قواعدهم على الساحل المغربي. غير أن صعوبة تموين الحامية، وارتفاع تكاليف الدفاع، وتصاعد قوة الدولة السعدية، أضعفت الوجود البرتغالي. وبعد استعادة السلطان محمد الشيخ السعدي مدينة أكادير سنة 1541، قرر الملك البرتغالي جواو الثالث إخلاء أزمور وآسفي، فعادت المدينة إلى السيادة المغربية بعد نحو ثمانية وعشرين عاما من الاحتلال، بينما بقيت أسوارها وأبراجها شاهدة على تلك المرحلة.

وما تزال المدينة تحتفظ بجزء مهم من هذا التراث، من خلال أسوارها، وقصبتها، ومدينتها العتيقة، وملاحها التاريخي المرتبط بالحضور اليهودي، إضافة إلى إرثها الديني والثقافي المرتبط بالزوايا وفن الملحون والحرف التقليدية.

واكتسبت أزمور بعدا عالميا بفضل مصطفى الأزموري، الذي ولد بها مطلع القرن السادس عشر، قبل أن يقع في الأسر وينتقل إلى إسبانيا. وفي سنة 1527 شارك ضمن حملة بانفيلو دي ناربايث إلى فلوريدا، التي انتهت بكارثة لم ينج منها سوى أربعة أشخاص. وخلال ثماني سنوات عبر الناجون مناطق واسعة من تكساس وشمال المكسيك ونيومكسيكو وأريزونا، حيث برز إستيبانيكو بصفته مترجما ودليلا، بعد أن تعلم لغات السكان الأصليين وأسهم في التواصل معهم.

وفي سنة 1539 اختير للمشاركة في بعثة استكشاف جديدة نحو مدن سيبولا الأسطورية، فوصل إلى قرى الزوني في نيومكسيكو الحالية، حيث قتل في العام نفسه. ويعد اليوم أحد أوائل الأفارقة الذين شاركوا في استكشاف أمريكا الشمالية، كما تعتبره مؤسسات تاريخية أمريكية أول شخص من غير السكان الأصليين يصل إلى منطقة هاويكوه، وهو ما جعل اسم أزمور حاضرا في تاريخ العالم الأطلسي.

وما تزال أزمور تحمل في عمرانها وذاكرتها بصمات مراحل متعاقبة من تاريخ المغرب، وهو ما يمنحها مكانة خاصة بين الحواضر المغربية العريقة.

ولهذا فهي تستحق اهتماما يليق بمكانتها التاريخية، من خلال صيانة تراثها، وتشجيع البحث العلمي حول تاريخها، والتعريف بإرثها الحضاري. فهذه المدينة لا تمثل جزءا من ذاكرة دكالة وحدها، بل تشكل صفحة مهمة من تاريخ المغرب، وإحدى الحواضر التي عبر منها تاريخه إلى الفضاء الأطلسي والعالم.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 27/07/2026 على الساعة 11:53