كانوا يرون الخرائط تشير إلى بحر بعيد، فاستبد الأفق الأزرق بخيال أهل كرغولستان، حتى غدا هدير الأطلسي هوسا جماعيا يقود مصائرهم، ويجر البلاد بأسرها خلف موج لا يهدأ.
فتحت الخزائن، وتدفقت الثروات لزرع الفتن في أرض جيرانهم، وتحريك الدمى، وإشعال النيران في كل اتجاه، أملا في أن يولد على الضفة الأخرى كيان يفتح لهم الطريق إلى البحر. وكانت البلاد بأسرها تهدر حاضرها، وترهن مستقبلها، في مطاردة وهم الأطلسي البعيد.
كبر الأطفال وهم يرددون لازمة واحدة: «لا بد من الأطلسي... وإن طال السفر!»
وشاب الشيوخ وهم يرددونها، حتى صار الحلم عبادة.
ومرت السنون...
وتوالت الأجيال...
وتفاقمت الأوضاع من جنون إلى جنون، ومن فقر إلى فقر...
وأخذ الحلم يثقل كاهل الجميع، ثم تحول إلى هذيان رسمي، واستقر في الأناشيد، والكتب، والخطب، حتى غدا حقيقة لا يجرؤ أحد على مساءلتها.
وفي يوم غريب لا يشبه الأيام، ظهر في السماء شيء عجيب: ممر عظيم معلق بين السماء والأرض، يمتد كالصراط صوب الأفق الأزرق.
وقيل إن القدر استجاب لأهل كرغولستان أخيرا، وفتح لهم الطريق. تدافعوا جميعا...
الجنرالات في المقدمة، يلوحون بنياشينهم، وخلفهم الحكام على عرباتهم اللامعة، ثم الخطباء، والشاشات المحمولة على الأكتاف، ثم زمرة من الرعاع، في مسيرة مهيبة، لا يسمع فيها سوى صدى هلوسات غرقت في الوهم.
صعدوا...
ومشوا...
وارتفعوا بين السماء والأرض، يغنون نشيدهم الغريب المكون من ثلاث لغات أجنبية ويهتفون للمحيط.
وحين بلغوا نهاية الممر السماوي، انكشف أمامهم المحيط، واسعا بلا نهاية، هادئا كقلب حكيم شهد حماقات البشر كلها.
تبادلوا النظرات، وأخذ سؤال محير يدور بينهم: «وماذا بعد؟ ماذا نفعل الآن؟».
- قال قائل منهم: نغتسل بماء الأطلسي.
- قالوا: ثم ماذا؟
- قال: نبني مدينة تطل على البحر.
- قالوا: ثم ماذا؟
- قال: نرفع رايتنا التي نطوف بها في كل مكان فوق الأمواج.
ساد صمت قصير.
غير أن الحشود لا تعرف التوقف عند الأسئلة.
تقدم القادة.
واندفع الناس خلفهم.
وألقى الجميع بأنفسهم نحو الأعماق، كأن البحر سيمنحهم هوية، أو يغسل خيبتهم، أو يهبهم ما عجزوا عن بنائه فوق اليابسة.
وغاصوا...
وغرقوا...
واختفوا في صمت مهيب.
وساد المكان هدوء كثيف، يشبه اللحظة التي يسدل فيها الستار على مسرحية طويلة فقد أبطالها معنى الحكاية.
ولما قضي الأمر، قيل إن الأرض، للمرة الأولى منذ زمن، ضحكت من جنون أهل كرغولستان الذين قدموا أرواحهم قرابين للموج.
ثم تنفست الصعداء.
