صفعة الواقع تبدد وهم «الإلدورادو» الأوروبي على أسوار سبتة المحتلة

Un groupe de jeunes quittant Sebta après un très court séjour, le 2 août 2026.

مجموعة من الشباب تغادر سبتة بعد إقامة قصيرة جدا، في 2 غشت 2026. AFP or licensors

في 04/08/2026 على الساعة 15:45

تلاشت أوهام الفردوس الأوروبي لدى آلاف الشباب الذين اندفعوا نحو مدينة سبتة المحتلة بحثا عن غد أفضل، بعدما اصطدموا واقعيا بهشاشة العيش داخل الثغر السوريالي وأفق القارة العجوز الغارقة في أزماتها. هذا الاصطدام المباشر دفع نحو 95 في المائة منهم إلى اتخاذ قرار تلقائي بالعودة فوريا إلى أحضان الوطن، لينكسر السراب على صخرة الواقع، وتتكرس حقيقة ساطعة مفادها أن الآفاق الحقيقية للتنمية والكرامة تُبنى داخل المغرب لا خارجه.

ولعل الرقم الموثق رسميا من قبل السلطات الإسبانية يحمل أبعادا سياسية ورمزية غير مسبوقة، إذ إن غالبية الذين دخلوا الثغر المحتل خلال الأسبوع الماضي غادروه بمحض إرادتهم. هذا التراجع الجماعي الحاد لا يمكن إرجاعه إلى تدخلات أمنية صارمة أو عمليات إبعاد قسري نفذتها الأجهزة الإسبانية، بل جاء نتيجة صحوة فردية وجماعية نابعة من قناعة ذاتية جازمة.

وعاين الواصلون بأم أعينهم البون الشاسع بين الصورة الوردية التي تروجها شبكات التواصل الاجتماعي وحقيقة الميدان، مما أحدث لديهم صدمة وعي سريعة. ومع غياب فرص الإيواء وانعدام الآفاق، سقط القناع عن الأسطورة المزيفة، ليتخذ هؤلاء الشباب قرار العودة بنضج وحسابات واقعية هادئة تمقت المجهول.

خيبة أمل

فندت هذه الحركة الارتدادية الأطروحات الداعية إلى الجزم بالفرار بلا رجعة، حيث أعادت الاعتبار لنجاعة المشاريع الهيكلية الكبرى التي أطلقها المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس، والتي تجسدت في تحديث البنيات التحتية المينائية والصناعية وإعادة الضخ في الشرايين الاقتصادية الجهوية.

وعلى الرغم من الحاجة إلى سياسات عمومية أكثر احتواء، فإن القناعة البارزة اليوم تؤكد أن استثمار المستقبل يظل هاهنا بالوطن، بعيدا عن المهانة والارتهان لوضعية المهاجر غير النظامي.

صندوق باندورا

وفي غضون ذلك، تعاملت القارة الأوروبية مع هذه الأزمة بخطاب انكماشي عقيم، تجلى في استغلال اليمين المتطرف لهذه الأحداث لإذكاء حملات العداء ضد المغاربة.

وشهد ميناء الخزيرات، بالتزامن مع «عملية مرحبا»، تحركات لجماعات متطرفة رفعت شعارات عنصرية ضد العائلات المغربية العابرة، متجاهلة العائدات الاقتصادية الضخمة التي يجنيها الاقتصاد الإسباني من هذا التدفق العابر.

وامتدت المزايدات السياسية إلى أحياء سبتة عبر وجوه أقصى اليمين، أمثال ألوفيز بيريز وفعاليات «النواة الوطنية»، لمحاولة ترويج رواية «الاجتياح» والتغطية على حقيقة أن غالبية الوافدين قد غادروا بالفعل. بيد أن الساكنة المحلية رفضت هذا الشحن الإيديولوجي وطردت هؤلاء المحرضين تحت حراسة أمنية مشددة.

وانتقلت عدوى الخطاب الخاطف إلى كبرى المدن الإسبانية من خلال وقفات كراهية أمام سفارة المملكة بمدريد وقنصلياتها في ألميريا وبالما، رُفعت خلالها شعارات معادية للإسلام وتحيات نازية، وهو ما يتسق مع البيانات الرسمية الإسبانية التي سجلت ارتفاعا بنسبة 23,6 في المائة في جرائم الكراهية خلال سنة 2025، وقفزة بنسبة 133 في المائة في الحوادث المناهضة للمسلمين.

وأمام هذا المناخ الملبد بمشاعر العداء والتمييز، تتجلى الإجابة الشافية في موقف 95 في المائة من الشباب الذين فضلوا العودة مرفوعي الرأس، مؤكدين أن بناء المستقبل يستوجب صون الكرامة فوق التراب الوطني، بعيدا عن أوهام قارة تكابد صراعاتها الهوياتية.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 04/08/2026 على الساعة 15:45