كواليس القرار القضائي الإسباني الذي فجر أزمة الهجرة في سبتة

معظم المهاجرين الذين وصلوا إلى سبتة خلال الأيام القليلة الماضية قد عادوا بالفعل إلى المغرب. AFP or licensors

في 04/08/2026 على الساعة 12:30

أقرت المحكمة العليا الإسبانية، في التاسع والعشرين من يونيو الماضي، عدم جواز الإعادة الفورية إلى المغرب في حق الأشخاص الذين يجري اعتراضهم في البحر أثناء محاولتهم الوصول سباحة إلى سبتة أو مليلية. وأحدث هذا القرار، الذي جرى الكشف عنه في الثامن من يوليوز، ثغرة ميدانية استغلتها شبكات تهريب البشر، وفق ما أجمعت عليه أجهزة الاستخبارات الإسبانية، ووزارة الداخلية، إلى جانب السلطات المغربية.

ووجه المركز الوطني للاستخبارات الإسباني تحذيرات متكررة إلى وزارة الداخلية، في الأسابيع التي سبقت أزمة الهجرة الناجمة عن أحداث الثلاثين من يوليوز، نبه فيها إلى خطورة التدفقات الجماعية نحو سبتة المحتلة. وكشفت إذاعة «كادينا سير»، نقلا عن مصادر مقربة من أجهزة الأمن الفدرالية، أن تقارير الاستخبارات ركزت على تداعيات الحكم القضائي الأخير الذي جرد الأجهزة الميدانية من آلية الترحيل الفوري.

وتطابقت هذه المعطيات مع موقف صدر بالرباط عن مصدر حكومي مغربي، حمل القرار القضائي الإسباني وتباطؤ مدريد في استباق آثاره المسؤولية المباشرة عن تفاقم الوضع. وأكد المصدر ذاته أن قرار الثامن من يوليوز شكل في نظر شبكات التهريب والشباب الراغبين في الهجرة حصانة عملية للاقتحام البحري غير القانوني، بالنظر إلى تعطيله أداة الردع الأساسية المتمثلة في الترحيل التلقائي.

وشدد المسؤول المغربي على أن قاضيا إسبانيا لا يمكنه تفكيك منظومة محاربة الهجرة غير النظامية ومطالبة المملكة المغربية بتحمل التبعات، مؤكدا أن المغرب لم يتلق أي إشعار قصد الاستعداد لتداعيات متوقعة، ومجددا التزام المملكة الكامل بمسؤولياتها.

وتضع هذه المعطيات الرواية التي قدمها وزير الداخلية الإسباني، فيرناندو غراندي مارلاسكا، في موقف حرج، بعدما ادعى عدم تلقي قطاعه أي تقارير استخباراتية تتوقع حجم التطورات الميدانية. وفي المقابل، تقر الداخلية الإسبانية برصد ارتفاع ملموس في عمليات السباحة نحو الثغر المحتل منذ منتصف يوليوز، وإخطار وزارة الهجرة قبل ثمانية أيام من الأزمة ببدء استنفاد الطاقة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين.

وأوضحت مصادر «كادينا سير» أن هذه المؤشرات لم تترجم إلى تعزيز حقيقي للإمكانيات المرابطة على خط التماس الحدودي، في وقت فضلت فيه السلطات الإسبانية عدم إشراك الشريك المغربي أو التنسيق معه لاستباق الآثار الناجمة عن الاجتهاد القضائي الجديد.

طعن مهاجر جزائري يغير قواعد اللعبة

تعود تفاصيل القرار القضائي الصادر عن المحكمة العليا في التاسع والعشرين من يونيو الماضي، والذي نشر رسميا في الثامن من يوليوز، إلى قضية رفعها مهاجر من جنسية جزائرية. وكان المعني بالأمر قد جرى اعتراضه في العباب البحري بتاريخ الرابع عشر من نونبر 2024 أثناء محاولته الوصول إلى سبتة المحتلة سباحة، قبل أن تسلمه السلطات الإسبانية فورا إلى نظيرتها المغربية دون تحديد هويته أو سلك مسطرة الترحيل الفردية.

وأنصفت محكمة محلية بسبتة المهاجر الجزائري بعد لجوئه إلى القضاء، مؤكدة أن الترحيل الفوري يفتقر إلى أي سند قانوني. وفي المقابل، حاولت هيئة الدفاع عن الدولة الإسبانية تبرير الإجراء بكون حراسة الحدود المائية شبيها بالحراسة البرية، معتبرة أن الطائرات المسيرة وكاميرات المراقبة تقوم مقام المصدات Physical Barriers المنصوبة على الحدود الترابية.

ورفضت أعلى هيئة قضائية إسبانية هذا الطرح، موضحة أن المادة الملحقة العاشرة من قانون الأجانب تحصر الترحيل المباشر في الأشخاص الذين يتم ضبطهم أثناء اقتحام المصدات المادية، كالأسيجة السلكية، ولا تشمل أدوات الرصد الإلكتروني والتحليق الجوي.

وبموجب هذا الاجتهاد، بات يتعين على السلطات الإسبانية إخضاع كل من يجري اعتراضه في البحر لمسطرة الإعادة العادية. وتتطلب هذه العملية تحديد هوية المهاجر، وتوفير المساعدة القانونية له، مع إتاحة الفرصة أمامه لتقديم طلب الحماية الدولية، واستعراض وضعبيته بشكل فردي، مما يمنع نهائيا إعادته الفورية نحو التراب المغربي.

ولا يحرم القرار القضاء الإسباني أو أجهزة الأمن من مراقبة الحدود البحرية أو ترحيل الوافدين غير النظاميين لاحقا، بل يلزم مدريد فقط باستيفاء الشروط والضمانات المساطرية التي ينص عليها قانون الأجانب قبل الإقدام على أية خطوة طرد.

كيف استغلت شبكات التهريب قرار القضاء الإسباني؟

تجلت الآثار الميدانية للقرار القضائي بشكل فوري، إذ توقفت السلطات الإسبانية عن تسليم المهاجرين المعترضين قرب الشواطئ مباشرة إلى السلطات المغربية. وأصبح يتوجب على الأجهزة الأمنية الإسبانية التكفل بالوافدين، وتحديد هوياتهم، وسلك المساطر الإدارية كاملة قبل اتخاذ أي قرار بالإعادة.

ويرى المركز الوطني للاستخبارات الإسباني أن هذا التحول المسطري خلق ضغطا كبيرا على الحدود، بعدما عملت شبكات تهريب البشر على ترويج مغالطة مفادها أن كل من ينجح في الوصول سباحة إلى سبتة المحتلة لن يتم ترحيله مجددا نحو المغرب.

وشكل هذا الطرح تحريفا صريحا لفحوى القرار القضائي، الذي لا يمنح أي حق أوتوماتيكي في الإقامة فوق التراب الإسباني، وإنما يقتصر على حظر الترحيل الفوري المباشر دون تدقيق فردي.

واتهمت السلطات المغربية بدورها شبكات التجميع والتهريب، إلى جانب الحسابات المروجة للشائعات على شبكات التواصل الاجتماعي، بالوقوف وراء الحملة. وأكدت الرباط أن المنظمات الإجرامية تعمدت تزييف مضمون الاجتهاد القضائي لإيهام الآلاف من الشباب بأن المنفذ البحري نحو سبتة أضحى سالكا ودون أي تبعات قانونية.

وسار وزارة الداخلية الإسبانية في الاتجاه ذاته، معتبرة أن مافيا التهريب وظفت الحكم القضائي لتحريض الشباب على مغامرة السباحة الجماعية. وأمام هذا الوضع، اتفق المغرب وإسبانيا على رفع مستوى التنسيق الميداني وإعادة مراجعة المساطر الكفيلة بإعادة المهاجرين غير النظاميين في إطار الامتثال التام للقوانين الجاري بها العمل.

الترحيل الفوري: مسار قانوني مؤطر منذ سنة 2015

يعود اعتماد مسطرة الترحيل الفوري للمهاجرين على حدود سبتة ومليلية المحتلتين إلى سنوات خلت، حيث ظلت تطبق ميدانيا دون إطار قانوني صريح، ولا سيما خلال عمليات الاقتحام الجماعي للسياجات الحدودية. وفي سنة 2015، عملت حكومة ماريانو راخوي على إضفاء طابع شرعي على هذا الإجراء من خلال تعديل قانون الأجانب عبر إقرار قانون أمن المواطنين.

وأرسى هذا التعديل نظاما استثنائيا يبيح الترحيل المباشر للأجانب الذين يجري ضبطهم أثناء محاولة اختراق المصدات الحدودية للعبور غير القانوني. غير أن التعديل اشترط، في الوقت ذاته، لزوم احترام التزامات إسبانيا الدولية في مجالات حقوق الإنسان والحماية الدولية.

وخضع هذا النظام الخاص لمعاينة دقيقة من قبل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والمحكمة الدستورية الإسبانية. ففي فبراير 2020، أيدت الغرفة الكبرى لمحكمة ستراسبورغ الإعادة الفورية لمهاجرين اثنين شاركا سنة 2014 في اقتحام جماعي لسياج مليلية، مبررة قرارها باختيار المعنيين العبور الجماعي عبر منافذ غير مصرح بها ودون سلوك الطرق القانونية المتاحة.

وفي السنة ذاتها، أعلنت المحكمة الدستورية مطابقة هذا الإجراء للدستور الإسباني، لكنها وضعت ثلاثة شروط أساسية لتطبيقه: التقييم الفردي لكل حالة على حدة، وإتاحة إمكانية الخضوع للرقابة القضائية الشاملة، فضلا عن الالتزام التام بالمعاهدات الدولية. وأكدت المحكمة على ضرورة إفادة الفئات الهشة، وخاصة القاصرين وطالبي اللجوء، برعاية وحماية خاصتين.

ولا يتعارض الاجتهاد القضائي الصادر في يونيو 2026 بالضرورة مع هذين الحُكمين السابقين. فقد انصب نظر محكمة ستراسبورغ والمحكمة الدستورية على محاولات التسلل البري عبر تجاور الأسيجة، في حين بتت المحكمة العليا في نازلة مختلفة تماما، تهم وافدا عبر المنافذ البحرية دون اختراق أي مصدات مادية.

سابقة إعادة القاصرين سنة 2021

تسلط سابقة قضائية أخرى الضوء على القيود الصارمة الملقاة على عاتق السلطات الإسبانية. ففي غشت 2021، وعقب تدفق آلاف المهاجرين نحو سبتة المحتلة، أقدمت مدريد على ترحيل 55 قاصرا غير مرافَقين إلى المغرب.

وأيدت المحكمة العليا، في يناير 2024، القرارات الابتدائية القاضية بعدم شرعية عمليات الترحيل المذكورة، متعللة بعدم احترام المساطر المنصوص عليها في قانون الأجانب، وإغفال السلطات التقييم الفردي للوضعية الشخصية ولمبدأ المصلحة الفضلى لكل قاصر على حدة.

ورغم أن النزاع لم يتعلق بحالة الترحيل المباشر عند السياج أو الاعتراض في البحر، بل بوضعية قاصرين خضعوا أصلًا لرعاية الإدارة الإسبانية، إلا أن الحكم رسخ أصلًا ثابتًا يقضي بأن حالة الطوارئ أو كثافة التدفقات لا تبرر القفز على الضمانات القانونية الممنوحة للفئات الهشة.

حاجز عائم لتجاوز العقبة القانونية

وعلى إثر أزمة الثلاثين من يوليوز، سارعت الحكومة الإسبانية إلى تثبيت حاجز عائم بطول نحو 500 متر على مقربة من حاجز « تاراجال »، معززًا بحبل من الطفافات الشاطئية. ويهدف هذا الإجراء إلى إعاقة محاولات العبور سباحة، فضلا عن إعطاء تجسيد مادي لهذه النقطة من الحدود البحرية.

ويبدو أن التثبيت الميداني لهذا المصد يستجيب مباشرة للتعليل القانوني الصادر عن المحكمة العليا. فوجود حاجز مادي يحاول الوافد اختراقه يتيح لوزارة الداخلية الإسبانية الاستناد إلى نظام الترحيل الاستثنائي على الحدود، شريطة التقيد بالضوابط المقررة من طرف المحكمة الدستورية والمواثيق الدولية.

غير أن السجال السياسي يتجاوز حدود التأويل القانوني البحت للحكم القضائي، إذ أثارت المعطيات المسربة بشأن تحذيرات الاستخبارات الإسبانية مسألة السياسات العمومية للبلاد. وأضحت مدريد تحت مجهر المساءلة حول أسباب التقاعس عن تعزيز القوات الحدودية في الوقت المناسب، رغم دراية وزارة الداخلية بالارتفاع المستمر للتدفقات، ومخاطر استنفاد الطاقة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة، فضلا عن علمها باستغلال مافيا التهريب للقرار القضائي.

تحرير من طرف فائزة غول
في 04/08/2026 على الساعة 12:30