خلفيات الفوضى بين الفنيدق وسبتة: لماذا أضحى الوضع القانوني للمدينتين السليبتين مسألة استعجالية؟

Une capture d'écran de migrants atteignant Sebta à la nage.

لقطة شاشة لمهاجرين يصلون إلى سبتة سباحة. AFP or licensors

في 30/07/2026 على الساعة 20:41

أشعل قرار المحكمة العليا الإسبانية القاضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين الواصلين عبر البحر فتيل موجة نزوح غير مسبوقة بالمنفذ البحري للفنيدق، حيث اندفع آلاف المرشحين للهجرة السرية نحو مدينة سبتة السليبة سباحة. وتحول هذا التدفق الميداني سريعا إلى مواجهات حادة وشائعات واهمة حول تسوية الأوضاع، ما استدعى استجابة صارمة ومنسقة بين الرباط ومدريد قادت إلى تفعيل إجراءات الترحيل الفوري والمباشر. وتعيد هذه الأحداث الدامية طرح التساؤلات المشروعة حول الوضع الجيوسياسي النشاز لمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين فوق التراب المغربي، مؤكدة أن بقاء الوضع القائم بات أمرا غير قابل للاستمرار.

تحولت حالة الاحتقان المتراكمة على الشريط الساحلي بمدينة الفنيدق إلى فوضى عارمة، عقب أيام شهدت تزايدا ملحوظا في محاولات التسلل. وبلغت الأزمة ذروتها يومي الأربعاء 29 والخميس 30 يوليوز 2026، إثر إقدام آلاف الشباب الراغبين في الهجرة غير النظامية على إلقاء أنفسهم في عرض البحر للوصول إلى سبتة سباحة.

وواجهت القوات العمومية المرابطة بعين المكان ضغوطا ميدانية شديدة جراء استهدافها المباشر من طرف مجموعات اتسمت بالاندفاع والعنف الشديد، ما جعل السيطرة على التدفقات المتلاحقة تحديا أمنيا بالغا.

وانتشرت دعوات التكتل عبر منصات التواصل الاجتماعي انتشار النار في الهشيم، دافعة في غضون ساعات قليلة مئات الأشخاص نحو مدينة الفنيدق، باعتبارها أقرب نقطة تماس يفصلها عن سبتة شريط شاطئي وسياج حديدي فقط.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن التركيبة الديمغرافية للمرشحين المتجمعين تتوزع بين 60 في المائة من جنسية جزائرية كانوا يتربصون بالمنطقة للعبور عند أول ثغرة، و35 في المائة من الشباب المغربي المنقاد وراء شائعات الإفلات من العقاب وتسوية الأوضاع الفورية، إلى جانب 5 في المائة ينتمون لدول إفريقيا جنوب الصحراء.

خلفيات الشرارة القانونية وتداعياتها

تنطوي مغامرة السباحة من شواطئ الفنيدق نحو سبتة على مخاطر قاتلة، بالنظر إلى قوة التيارات البحرية والدوامات المحاذية للحاجز المائي. وسجلت الحصيلة المؤقتة لهذه المحاولات انتشال تسع جثث على الأقل قبالة سبتة، وتسجيل زهاء عشرين مفقودا، فضلا عن إصابات بليغة في صفوف المقتحمين.

وتعود الشرارة المباشرة لهذا التدفق إلى قرار قضائي صادر عن الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا الإسبانية بتاريخ 8 يوليوز 2026، بناء على دعوى تقدم بها مواطن جزائري جرى إرجاعه بعد وصوله سباحة إلى سبتة.

وقضت المحكمة ببطلان إجراءات «الإرجاع الفوري» في حق المهاجرين الواصلين بحرا، معلنة ضرورة خضوع كل وافد لمسطرة إدارية فردية لتحديد الهوية، ما يمنع طرده المباشر دون فحص مسبق.

وتلقفت شبكات تهريب البشر القرار الصادر ومضمونه المنشور في 10 يوليوز، حيث أُعيد تأويله وترويجه كإشارة طمأنة تفيد بأن الوصول عبر البحر يضمن عدم الإعادة الفورية ويوفر منفذا للاستفادة من حملات التسوية الجارية بإسبانيا، غير أن الواقع سرعان ما دحض هذه الأوهام.

ترحيل جماعي وملاحقات قضائية صارمة

باشرت السلطات المغربية والإسبانية يوم الخميس تنسيقا رفيع المستوى لإعادة إقرار النظام العام، معلنة رفض تسوية وضعية أي شخص دخل سبتة بطريقة غير قانونية.

وتقرر تفعيل مسطرة الترحيل النمطي والمباشر لجميع المهاجرين الذين شاركوا في هذه الاقتحامات، بالتوازي مع فتح المتابعات القضائية في حق المتورطين.

وسيجري إيداع الموقوفين رهن الاعتقال الاحتياطي وإحالتهم على العدالة لمتابعتهم بتهم الاقتحام غير القانوني وممارسة العنف ضد عناصر القوات العمومية.

وأكد وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، في تصريحات سبقت زيارته الاستعجالية المرتقبة لسبتة يوم الجمعة، رفض مدريد لاستغلال القرارات القضائية من طرف شبكات الاتجار بالبشر.

وأشاد مارلاسكا بمستوى «التعاون النموذجي» بين الرباط ومدريد، معربا عن امتنانه للأجهزة الأمنية المغربية التي أحبطت آلاف المحاولات السابقة.

وأبرز المسؤول الإسباني أن المنطقة لم تسجل أية حالة وصول بحري نحو سبتة خلال سنة 2026 حتى تاريخ 15 يوليوز، مقارنة بأربع حالات في 2025 و28 حالة في 2024.

ومن جهته، صرح رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عبر منصة «إكس» بتعبئة كافة الإمكانيات المتاحة بالتعاون مع السلطات المغربية والدولية لإعادة الأوضاع إلى نصابها الطبيعي في أقرب الآجال.

سبتة ومليلية: نشاز جغرافي

ورغم نجاعة التدخل الأمني الفوري في إدارة الأزمة، تظل هذه الأحداث مؤشرا جليا على عدم قابلية الوضع القائم بالثغرين المحتلين سبتة ومليلية للاستمرار.

وتشكل المدينتان نشازا جغرافيا وسياسيا وأمنيا في القرن الحادي والعشرين، إذ يستعصي استيعاب منطق بقاء أجزاء من التراب الوطني المغربي تحت السيادة الإسبانية، رغم أنها لا تبعد عن الفنيدق والناظور إلا بمنفذ مائي ضيق يمكن قطعه باستخدام معدات سباحة بسيطة.

وتستنزف الاستمرارية الأمنية قدرات القوات المغربية على مدار السنة، بالتزامن مع كلفة مالية وبشرية ولوجستية باهظة تتحملها الميزانية الإسبانية دون جدوى استراتيجية.

وتفرض الحقيقة الترابية والديمغرافية أحكامها النهائية، إذ لا يمكن لمدينة مثل سبتة، ذات النسيج البشري والجغرافي المغربي المرتبط بمحيطه المباشر، أن تظل جيلا بعد جيل ثغرا إسبانيا فوق أرض مغربية.

وبالنظر إلى الامتداد التاريخي، فإن الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية دام زهاء ثمانية قرون وخلف حضارة وعمارة وإرثا فكريا غمر أوروبا بأكملها، قبل أن ينتهي لكون المنطقة ليست مجاله الطبيعي.

وعلى النقيض من ذلك، لا تمثل هذه الثغور البحرية سوى مخلفات حقبة بائدة لا تمنح جوارا مستقرا ولا تنتج سوى الاحتكاك والتسربات الأمنية.

وتظل استعادة سبتة ومليلية مخرجا حتميا تمليه الجغرافيا والديمغرافيا والمنطق التاريخي السليم، حيث لم يعد السؤال يكمن في إمكانية عودة المدينتين إلى أحضان الوطن، بل في المدى الزمني الفاصل وحجم المآسي الإنسانية المرتقبة قبل تحقق هذه العودة.

تحرير من طرف طارق قطاب
في 30/07/2026 على الساعة 20:41