موجة كراهية ضد المغاربة تكتسح إسبانيا وتستنفر الأوساط السياسية

أعضاء من جماعة «نوكلو ناسيونال» الإسبانية اليمينية المتطرفة يتظاهرون في مدريد في اليوم التالي لدخول المهاجرين إلى سبتة

في 03/08/2026 على الساعة 18:45

تعدت تداعيات أزمة الهجرة في سبتة حدودها الجغرافية لتحولها الفصائل اليمينية المتطرفة إلى وقود يذكي مشاعر العداء ضد المغاربة والمسلمين. وفي وقت تسجل فيه حوادث الكراهية مستويات قياسية غير مسبوقة، يواجه نموذج التعايش الإسباني خطر الانهيار، وهو الذي ظل لسنوات يميز البلاد عن باقي الفرقاء الأوروبيين.

في ميناء الجزيرة الخضراء، الأحد ثاني غشت 2026، بدت الأجواء مشحونة على الأرصفة بينما كانت البواخر تغادر نحو سبتة وطنجة. ففي ذروة عملية «مرحبا»، يتقاطر آلاف المغاربة القادمين من فرنسا وهولندا ودول أوروبية أخرى لنفاذ المعبر المائي نحو المملكة. وبين هذه الحشود، برز شبان يحملون أساور بألوان العلم الإسباني، رافعين لافتات وشعارات عدائية لا تحتمل التأويل، من قبيل «أعداء إسبانيا» و«اطردوا المغاربة».

تختزل هذه المشاهد حالة الاحتقان التي خيمت على عدة مناطق إسبانية إثر أحداث سبتة. فبينما تقطع آلاف العائلات المغربية مسافات طويلة للعودة إلى أرض الوطن، تسعى شرذمة من اليمين المتطرف إلى استغلال حالة الطوارئ الحدثية وتحويلها إلى صراع هوياتي، حيث لم تعد هجماتها تقتصر على الانتقاد السياسي للسياسات الجمركية والهجرة، بل باتت تستهدف المغاربة بأسلوب مباشر وصريح.

ولم تتأخر هذه التحركات في الوصول إلى قلب مدينة سبتة، إذ أقدم ألميس بيريز، زعيم حركة «انتهت الحفلة»، برفقاء له من تنظيم «نوكليو ناسيونال» المتطرف، على الاقتحام الميداني للمدينة بداعي «الدفاع عن إسبانيا».

وقع هذا الاستعراض الميداني في وقت كانت فيه معظم العناصر التي دخلت بشكل غير نظامي قد غادرت المنطقة بالفعل، مما أفرغ زيارة اليمين المتطرف من أي مبرر أمني. واقتصر الهدف المباشر لهذه الخطوة على الركوب على الشحنة العاطفية، وترويج أطروحة «الاجتياح»، لجعل سبتة منصة لاستعراض القوة اليمينية.

لكن الاستقبال الذي حظي به هؤلاء النشطاء خالف توقعاتهم بالكامل. فخلال تواجد بيريز داخل أحد المحلات برفقة الناشط الرقمي فيتو كويلس، تصدى لهما عدد من سكان المدينة، متهمين إياهما باستهداف الفئات الهشة والمتاجرة بآلام الناس.

وأمام الضغط الميداني للمناهضين للتطرف، اضطرت الشرطة الوطنية إلى التدخل لإجلاء بيريز نحو الميناء تحت حراسة مشددة. ولم يكن مصير عناصر «نوكليو ناسيونال» بأفضل حال في ساحة «دي لوس رييس»، حيث أجبرتهم القوات الأمنية على مغادرة المكان، وسط ملاحقة من أصحاب السيارات والدراجات النارية الذين حاصروهم بصيحات التنديد وصفير السيارات.

من الاحتجاج السياسي إلى وصم مجتمع بأكمله

أتت هذه التحركات لتعلن انتقال المشهد من المعارضة السياسية إلى الوصم الجماعي لمكون أصيل داخل المجتمع. وامتدت رقعة التظاهر خلال نهاية الأسبوع لتشمل محيط السفارة المغربية بمدريد، فضلا عن القنصليات التابعة للمملكة في مدن عدة أبرزها بالما وألميريا.

وبحسب مندوبية الحكومة الإسبانية، تجمع زهاء 1200 شخص أمام سفارة المغرب بالعاصمة. واختلطت الانتقادات الموجهة لتدبير الأزمة بشعارات ذات أبعاد عقائدية من قبيل «إسبانيا مسيحية ولا مكان فيها للإسلام»، وهو خطاب يتجاوز نقد قوانين الإقامة إلى نفي وجود ملايين المواطنين المقيمين المسلمين داخل نسيج المجتمع الإسباني.

وشهد التجمع مشاركة الناشطة النازية الجديدة إيزابيل بيرالتا التي أدت التحية النازية أمام مبنى السفارة. وتكتسي مشاركتها حمولة خاصة بالنظر إلى أدانتها القضائية سنة 2025 بالسجن لمدة عام نافذ على خلفية تصريحات تحريضية أطلقتها في وقفة مماثلة سنة 2021، دعت فيها صراحة إلى مقاتلة من وصفتهم بـ«الغزاة»، مع تصويب البوصلة نحو المغاربة والمسلمين.

وبعد مرور خمس سنوات، تعود الأدبيات ذاتها إلى الشارع العام، مستفيدة من التوتر الحدثي الجديد، ومستغلة الانتشار السريع عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي بالما، تجمع مئات الأشخاص أمام القنصلية المغربية مرددين شعارات مناهضة للحكومة وأخرى ذات طابع عرقاني. وتكرر السيناريو ذاته بمدينة ألميريا بمشاركة العشرات. وعبر مقاطع الفيديو والمنشورات الرقمية، تسعى هذه التحركات إلى إخراج ملف الحدود من إطاره التدبيري، وإدراج طابعه في خانة «الصراع الوجودي» بين إسبانيا والمغرب والإسلام.

أرقام تؤكد حجم هذه الظاهرة

تأتي الأرقام الرسمية لتؤكد المنحى التصاعدي لهذه الظاهرة. فخلال سنة 2025، سجلت إسبانيا 2417 جريمة وحادثة كراهية، بنسبة ارتفاع بلغت 23.6 في المائة مقارنة بالعام السالف، وهو أعلى مستوى تسجله البيانات الرسمية في تاريخ البلاد. ويظل العنصر العرقي والمعاداة للأجانب السبب الرئيسي وراء هذه الأفعال بواقع 934 حالة.

وتثير ظاهرة «الإسلاموفوبيا» قلقا بالغا، بعدما قفزت الحوادث المرتبطة بها بنسبة 133 في المائة خلال عام واحد، في حين سجلت التجاوزات عبر الشابكة الرقمية زيادة قياسية بلغت 450 في المائة. ويأتي المواطنون المغاربة في صدارة الرعايا الأجانب المستهدفين بهذه السلوكيات العدائية.

وأفاد المرصد الإسباني لمناهضة العنصرية والجمود الفكري بأن 85 في المائة من الخطابات الموجهة ضد المهاجرين في غشت 2026 ركزت على تجريدهم من المصداقية. وفي 55 في المائة من الحالات، جرى تقديم المهاجرين كـ«تهديد داهم»، بينما طالبت 30 في المائة من التدوينات بطردهم المباشر.

وبات الأسلوب المعتمد مكشوفا للعيان، إذ يكفي وقوع حادث عرضي أو تدفق للمهاجرين لتوجيه أساطيل الاتهام نحو فئة بكاملها. وتتناقل الصفحات صورًا مقطوعة عن سياقها، وتختلط الشائعات بالحقائق الميدانية، ليتلاشى الأفراد خلف قوالب جاهزة تستهدف «المغاربة» و«المسلمين» و«المهاجرين».

الاستثناء الإسباني يتزعزع

وأمام هذا التحول، يواجه الاستثناء الإسباني اختبارا حقيقيا. فخلافا للعديد من الدول الأوروبية، لم يؤد توافد المهاجرين على مدى عقود إلى صعود سريع لتيارات سياسية متطرفة، بفعل الذاكرة التاريخية للإسبان مع الهجرة نحو الخارج، فضلا عن التماسك الاجتماعي الميداني.

وحتى حدود سنة 2024، كانت إسبانيا تصنف ضمن أكثر الدول الأوروبية تقبلا للوافدين. وعبر 80 في المائة من المواطنين الإسبان عن دعمهم لسياسات الإدماج كاستثمار ضروري بعيد المدى، بفارق إيجابي قدره إحدى عشرة نقطة عن المعدل الأوروبي.

غير أن هذا المكاسب باتت على المحك. ففي شتنبر 2024، اعتبر 30.4 في المائة من المستجوبين في استطلاع لمركز البحوث الاجتماعية أن الهجرة تشكل المشكل الأول بالبلاد، مقابل 16.9 في المائة فقط قبل شهرين من ذلك. ويعكس هذا التحول السريع مدى هشاشة الرأي العام عندما تنحصر النقاط الساخنة في الإعلام والسياسة حول مصطلحات «الاحتلال» و«الفوضى».

وإذا كان دخول حزب «فوكس» للمؤسسات قد وضع حدا للاستثناء السياسي في إسبانيا، فإن المجموعات الأكثر راديكالية تحاول اليوم دفع النقاش العام نحو مربعات العنصرية الصريحة. ولا يقاس وزن هذه الحركات بعدد الأصوات الاقتراعية فحسب، بل بقدرتها على اختراق الخطاب السياسي اليومي وإجبار الأحزاب الكبرى على تبني مفاهيمها.

وعندما يتحول مصطلح «مغربي» إلى مرادف للجريمة، وتصور الهوية الإسلامية كعنصر مناقض للهوية الإسبانية، فإن التيار المتطرف يكون قد حقق اختراقا بالغ الخطورة على حساب قيم التعايش.

تحرير من طرف فائزة غول
في 03/08/2026 على الساعة 18:45