انطلقت سيارات الدفع الرباعي تنهب رمال الصحراء صوب المجهول، تاركة وراءها عائلات مكلومة وضحايا معصوبي الأعين تحت وطأة السلاح. لم تكن تلك المشاهد سوى تدشين لحقبة دامية من الاختطاف القسري والتعذيب الممنهج الذي طال مدنيين مغاربة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي.
اليوم، تنكسر أقفال الصمت وتخرج إلى العلن شهادات حية توثق فظاعات ارتكبتها ميليشيات جبهة «البوليساريو» داخل سجون سرية متناثرة فوق التراب الجزائري، راسمة تفاصيل مأساة إنسانية توازي فظاعات معسكرات الاعتقال التاريخية.
غارات مباغتة واختطاف قسري.. ترهيب الساكنة الأصلية
استرجع محمد أحمد الجكاني، مدرس القرآن واللغة العربية، لحظة اختطافه يوم 25 نونبر 1975 من ضواحي مدينة العيون، موضحا أن الميليشيات عصبوا عينيه وكبلوه داخل سيارة «لاندروفر» قبل رميه في حفرة مظلمة بمنطقة «الگلتة».
نقل الجكاني لاحقا إلى معتقل «المحبس»، ليجد نفسه محشورا مع 40 مدنيا صحراويا داخل غرفة إسمنتية ضيقة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار مربعة، حيث امتزجت أصوات العويل بصرخات الاستغاثة وسط حصار خانق وانعدام تام للهواء والضوء.
«كانوا يضعوننا حفاة ومعصوبي الأعين على منصة من الجمر والرمل الملتهب تحت شمس الصحراء، بينما نرفع أقدامنا من شدة الألم فنبدو وكأننا نرقص.. إنه «مسرج جهنم» الذي يستمتع به الجلادون»
— الضحية محمد بداهي
امتدت الغارات لتضرب عمق التجمعات السكنية في طانطان وأسا الزاك وواد نون، حيث استهدفت الدوريات المسلحة قبائل بأكملها وشيوخا وأعيانا، واقتادت العائلات قسرا إلى وجهات مجهولة.
وتحكي الشهادات الميدانية كيف داهمت عناصر مسلحة مدنيين عزل أثناء مناسبات اجتماعية عائلية دون سابق إنذار، ليتم ترحيلهم عبر مسالك صحراوية شاقة نحو آبار مهجورة ومطمورات إسمنتية تحت الأرض، أمضى فيها المختطفون شهورا طويلة في وضعية جلوس دائمة دون حراك، ما تسبب للعديد منهم في عاهات مستديمة وفقدان كامل للقدرة على المشي.
ساديزم التعذيب.. من «مسرح جهنم» إلى الإعدام الميداني
كشف محمد بداهي، أحد الناجين من جحيم الاحتجاز، عن تفاصيل ما كانت تطلق عليه الميليشيات مسمى «مسرح جهنم»، مؤكدا أن الجلادين كانوا يجبرون الأسرى على الوقوف حفاة الأقدام فوق طبقات من الجمر الملتهب تحت رمال الصحراء المتقدة حباتها بالشمس الحارقة.
وأوضح بداهي أن الضحايا كانوا يتلوون ويرفعون أقدامهم قسرا من شدة الحروق، فيتصرفون كما لو أنهم يرقصون في مشهد أطلق عليه الجلادون اسم «رقصة الكلاب»، متلذذين بمشاهدة أجساد تحترق ببطء وتصرخ من فرط الألم.
تنوعت أساليب السادية داخل سجن «الرشيد» سيئ السمعة، لتشمل التكبيل بالأصفاد ووضع العصابات على الأعين، مع إجبار المحتجزين على تدخين سجائر مشتعلة واستخدام أعقابها في حرق الأطراف والشفاه، مصحوبة بضرب مبرح بالهراوات.
إقرأ أيضا : قانون أمريكي يصنف «البوليساريو» كتنظيم إرهابي: جو ويلسون يصرّ ويوقّع
تجاوزت ممارسات التعذيب داخل سجن «الرشيد» الرهيب كل الحدود الإنسانية، إذ وثق شهود عيان وقائع إعدام ميداني لمدنيين طمروا أحياء تحت الرمال بواسطة جرافات ثقيلة، فيما ألقي آخرون داخل حفر جافة حتى الموت.
واستحضر أحد الناجين واقعة تصفية المواطن «الساهل ولد الجكاني»، الذي جرى تعليقه بخشبة من جهازه التناسلي وتركه ينزف حتى فارق الحياة أمام أعين بقية المعتقلين لإجبارهم على الاعتراف بمهام تجسس وهمية، مما أدخل رفاقه في صدمات عصبية حادة وسط آثار جروح وكسور وندوب غائرة تركت علاماتها الدائمة على وجوههم وأطرافهم.
أشغال شاقة واستنزاف قسري خلف الأسلاك
تجاوزت الانتهاكات حدود الزنازين المظلمة لتتحول إلى نظام سخرة واستعباد يومي، إذ وثق الضحايا، رجالا ونساء، إجبارهم على ممارسة أشغال شاقة تحت وطأة السياط والبنادق. شملت هذه المهام صناعة الآجر يدويا تحت درجات حرارة قياسية، وجمع الحصى والركام، وتعبيد المسالك الصخرية بأيد عارية، إلى جانب قطع مسافات صحراوية طويلة مشيا على الأقدام لخدمة المعسكرات ونقل العتاد دون أدنى رعاية طبية أو غذاء كاف.
إقرأ أيضا : البوليساريو تُهدد بتنفيذ عمليات إرهابية ضد المستثمرين والسياح الأجانب بالصحراء المغربية
وفي شهادة صادمة تلخص قسوة الذاكرة، استرجع المعتقل السابق الملقب بـ«الشويعر»، الذي قضى 16 سنة كاملة في الأسر بين سنتي 1975 و1991، فصولا من المعاناة مؤكدا أن ما جرى داخل معتقلات الجبهة يتجاوز في دمويته وقسوته أشد المشاهد السينمائية خيالا، مشيرا إلى وجود مجموعات كاملة مثل «مجموعة گليبات الفولة» البالغ عددها 54 مواطنا، والتي عوملت بأقصى درجات الوحشية والتنكيل خارج أي رقابة حقوقية أو دولية.
استهداف الأطفال والنساء.. مآس مسكوت عنها وتصفية عائلات
طالت دوامة العنف النساء والأطفال بصورة ممنهجة، مخلفة آثارا نفسية وجسدية غائرة. تروي گبل فهمي، التي اختطفت من مدينة طانطان وهي طفلة لم تتجاوز ربيعها الرابع، كيف أفضت الصدمة وهول المشاهد الدامية التي عاينتها في المخيمات إلى فقدانها النطق لسنوات طويلة، لتظل بكماء تتواصل بالإشارات فقط بعدما جردت من طفولتها وعائلتها قسرا.
أما الشابة هدى الغزال، المولودة عام 1991 لعائلة مغربية محتجزة، فقد استعادت فصول معاناتها مع الاعتداء والاستغلال الجنسي المتكرر من طرف الجلادين منذ بلوغها سن الثامنة.
وتؤكد الغزال أن محاولتها فضح هذه الممارسات خلال زيارة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان عام 1998 جوبهت باختطاف فوري وترهيب وحشي، وصل إلى حد تصفية فتاة ساعدتها ذبحا أمام ناظريها لفرض جدار من الصمت المطلق على جرائم استغلال القاصرات والاتجار بالبشر داخل المعسكرات.
إقرأ أيضا : منظمات صحراوية تندد أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف بقمع الحريات في مخيمات تندوف وإفلات «البوليساريو» من العقاب
وتجسد قصة عائلة المغربي عبد السلام الصباغ ذروة التصفية العرقية والجسدية، إذ استدرج الرجل وزوجته الدية بنت محمد برفقة طفليهما الصغيرين من الجزائر العاصمة بدعوى زيارة الأقارب في مخيمات تندوف.
وفور وصولهم، صودرت ممتلكاتهم وزج بهم في سجن «الرشيد»، قبل أن يتم إعدام الزوج رميا بالرصاص، وتصفية الزوجة بعد أربعة أيام بسبب احتجاجها على اختفائه، بينما لا يزال مصير الطفلين مجهولا بالكامل حتى اللحظة، وسط مؤشرات تؤكد تصفيتهما لإقبار معالم الجريمة.
التورط الجزائري وسلسلة القيادة الجنائية
أجمعت روايات الناجين وشهادات الإطار الإعلامي السابق في الجبهة عمر خنيبيلا على أن مخطط تفريغ الصحراء المغربية من ساكنتها وتثبيت المعسكرات تم بتخطيط وتمويل وإشراف أمني جزائري مباشر منذ سنة 1974.
وأكد الشهود بالأسماء تورط ضباط أمن جزائريين في الإشراف على حفلات التعذيب وإدارة السجون، من بينهم مسؤولون اشتهروا بأسماء حركية مثل «سلازار» و«الفريق عبد الودود»، بتنسيق وثيق مع قيادات الجبهة كالبشير مصطفى السيد وإبراهيم غالي ووزير دفاعهم المزعوم.
إقرأ أيضا : ضحايا «البوليساريو» يفضحون أمام مجلس حقوق الانسان انتهاكات فظيعة في مخيمات تندوف
ويضع هذا التورط الميداني الدولة الحاضنة تحت طائلة المسؤولية الجنائية الدولية وفقا لمقتضيات اتفاقيات جنيف، نظرا لوقوع كافة المعتقلات والجرائم الموثقة فوق ترابها الوطني وتحت ولايتها القضائية. وتنشط ائتلافات حقوقية دولية في عواصم أوروبية، من بينها تحركات في مدينة مالقة الإسبانية، لتعريف الرأي العام الغربي بالطبيعة الحقيقية للتنظيم الذي تديره «عقلية العصابة»، والمطالبة بملاحقة الجلادين الذين يستقر بعضهم حاليا في فرنسا وإسبانيا.
المسار التشريعي الأمريكي وإسقاط ورقة التفاوض
يتزامن تدفق هذه الشهادات مع تحول نوعي في الموقف التشريعي داخل الولايات المتحدة، عقب طرح مشروع القانون الفيدرالي «H.R. 4119» في الكونغرس الأمريكي، بدعم مشترك من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لتصنيف جبهة «البوليساريو» منظمة إرهابية أجنبية.
ويستند المشروع إلى تقارير استخباراتية توثق تحالفات مشبوهة مع أطراف خارجية تشمل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، واستخدام طائرات مسيرة لضرب أهداف مدنية.
ويفتح هذا المنعطف القانوني أفقا جديدا لتجريد الميليشيات المسلحة من أي غطاء سياسي في المحافل الدولية، وإخراجها من مسارات التفاوض الأممي، مع حصر المسؤولية التاريخية والقانونية في الجزائر باعتبارها الطرف الحقيقي والمحرك الميداني للنزاع.
إن توثيق هذه الفظاعات بالصوت والصورة يمهد الطريق لرفع دعاوى قضائية أمام المحاكم الدولية لكسر حلقة الإفلات من العقاب، وإنصاف مئات الضحايا الذين ما تزال جراحهم شاهدة على عقود من القمع والتنكيل.
