وتجدد النقاش بشكل خاص بعد ظهور اليوتيوبر المغربية «نعيمة البدوية» في فيديو حديث، رغم صدور حكم قضائي يقضي بمنعها من نشر أو بث أي محتوى أو ممارسة أي نشاط عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمدة سنة، وهو ما أثار تساؤلات حول ما إذا كان إخفاء وجهها أو ظهورها عبر حسابات أخرى يمكن أن يشكل خرقا للحكم.
أوضح المستشار القانوني أمين الفتحي في تصريح لـLe360 أن القانون الجنائي المغربي لا يتضمن عقوبة مستقلة تحمل اسم «المنع من استعمال مواقع التواصل الاجتماعي»، موضحا أن هذه الأحكام تستند إلى التدابير الوقائية الشخصية، ولا سيما الفصل 61، الذي يدرج ضمنها «المنع من مزاولة مهنة أو نشاط أو فن»، فيما يتيح الفصل 87 للمحكمة الحكم بهذا المنع عندما تكون الجريمة مرتبطة مباشرة بالنشاط المعني وتوجد قرائن قوية على أن استمراره قد يشكل خطرا على أمن الناس أو صحتهم أو أخلاقهم أو مدخراتهم.
وأضاف الفتحي أن المحكمة يمكن أن تعتبر صناعة المحتوى نشاطا منتظما، خصوصا عندما يكون الحساب وسيلة أساسية للظهور والتأثير وتحقيق المداخيل، وكانت الجريمة المرتكبة مرتبطة مباشرة بالمحتوى الذي ينتجه صاحبه.
وتابع المتحدث نفسه أن المنع في هذه الحالة لا يتعلق فقط بالفعل المرتكب في الماضي، وإنما يرمي أيضا إلى تفادي خطر مستقبلي قد ينتج عن استمرار الشخص في النشاط نفسه.
وأوضح أمين أن مدة المنع لا تبدأ، من حيث الأصل، من تاريخ صدور الحكم، وإنما بعد انتهاء المحكوم عليه من قضاء العقوبة الحبسية، ما لم تقرر المحكمة تنفيذ المنع بصورة مؤقتة وفورية وتنص على ذلك صراحة في حكمها.
إقرأ أيضا : رغم منعها قضائيا من استعمال مواقع التواصل.. نعيمة البدوية تعود للظهور بطريقة غريبة
وحدد الفصل 87، حسب المتحدث نفسه، الحد الأقصى لهذا التدبير في عشر سنوات، ما لم ينص قانون خاص على خلاف ذلك.
ماذا يسمح الحكم للمؤثر أن يفعل؟
وأكد الفتحي أن الإجابة تختلف من ملف إلى آخر، لأن الأمر يرتبط أساسا بصياغة منطوق الحكم، قائلا: «عبارة «ممنوع من السوشيال ميديا» لا تكفي وحدها لتحديد نطاق المنع، وإنما ينبغي الرجوع إلى الأفعال التي حددتها المحكمة بشكل دقيق».
وأوضح أن الحكم إذا تعلق بـ«مزاولة نشاط صناعة المحتوى»، فإن المنع ينصب أساسا على إنتاج المحتوى وتقديمه للجمهور وإدارة الحسابات وتحقيق الشهرة أو المداخيل منها، بينما قد لا يشمل بالضرورة الاستخدام الشخصي والخاص للمنصات.
أما إذا نص الحكم على «المنع من النشر»، فإن المحكوم عليه لا يستطيع نشر الصور أو الفيديوهات أو التدوينات أو إجراء بث مباشر، حتى لو كان المحتوى عاديا أو عائليا ولا علاقة له بالجريمة الأصلية، لأن الممنوع هنا هو فعل النشر نفسه.
وفي حال نص الحكم على «المنع من استعمال مواقع التواصل الاجتماعي»، فإن نطاقه يصبح أوسع، وقد يشمل النشر والتعليق وإعادة المشاركة وإدارة الحسابات والتواصل العلني مع المتابعين، وربما إنشاء حسابات جديدة.
هل الظهور عبر حساب شخص آخر يعتبر مخالفة؟
وبخصوص إمكانية ظهور المؤثر الممنوع في مقطع ينشره شخص آخر، أوضح الخبير القانوني أن مجرد الظهور لا يشكل خرقا تلقائيا للحكم في جميع الحالات، خصوصا إذا كان الظهور عرضيا أو نشرت صورة الشخص من دون علمه أو موافقته.
وأضاف: «لكن مشاركة المحكوم عليه بشكل متعمد في إعداد فيديو أو بث مباشر مع علمه بأنه سينشر عبر حساب شخص آخر، قد تعتبر ممارسة غير مباشرة للنشاط الممنوع، خاصة إذا تبين أن الحساب الآخر استعمل كواجهة لمواصلة نشاطه السابق. ويصبح الأمر أكثر وضوحا إذا كان منطوق الحكم يمنعه صراحة من الظهور عبر مواقع التواصل أو من ممارسة أي نشاط عليها».
وفي ما يتعلق بإخفاء الوجه أو استخدام اسم مستعار، أكد الفتحي أن هذه الوسائل لا تلغي المخالفة إذا ثبت أن الشخص الممنوع هو من أنشأ المحتوى أو شارك فيه أو أشرف على نشره.
إقرأ أيضا : ابتدائية مراكش تدين سكينة گلامور بـ10 أشهر حبسا نافذا والمنع من منصات التواصل الاجتماعي
وتابع: «فتح حساب باسم قريب أو صديق لا يشكل ثغرة قانونية تسمح بمواصلة النشاط. فمثل هذه التصرفات قد تتحول، في حال ثبوتها، إلى قرائن على محاولة متعمدة للتهرب من تنفيذ الحكم، مع ضرورة إثبات هوية الشخص وعلاقته بالحساب أو المحتوى بأدلة تقنية أو مالية أو واقعية».
وماذا عن الاستخدام الشخصي؟
وبخصوص نشر الصور العائلية أو استعمال المنصات لأغراض شخصية، أوضح الخبير أن الأمر يتوقف مرة أخرى على منطوق الحكم. فإذا كان المنع مقتصرا على «مزاولة نشاط صناعة المحتوى»، فقد لا تدخل المراسلات الخاصة والمغلقة ضمن النشاط المهني أو العلني الممنوع.
أما إذا كان الحكم يمنع من «النشر»، فإن نشر صورة عائلية على حساب مفتوح يظل، من الناحية القانونية، عملية نشر، حتى لو لم يكن المحتوى تجاريا أو مرتبطا بالمخالفة الأصلية.
وإذا كان المنع منصبا على «استعمال مواقع التواصل الاجتماعي»، فقد يمتد إلى أشكال أخرى من النشاط على الحساب.
هل توجد ثغرات قانونية؟
ويرى الفتحي أن الإشكال الأساسي يكمن في عدم وجود نظام قانوني خاص ومفصل ينظم تنفيذ المنع من النشاط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحا أن التشريع لا يقدم تعريفا دقيقا للمؤثر أو صانع المحتوى، ولا يحدد بشكل صريح ما إذا كانت أفعال مثل الإعجاب أو التعليق أو إعادة مشاركة منشور تدخل ضمن النشاط الممنوع.
وحسب المتحدث نفسه، تطرح مسائل أخرى مرتبطة بالتطبيقات المغلقة، والحسابات المهنية التي يديرها أشخاص آخرون، والمحتويات القديمة التي تستمر في تحقيق الأرباح، إضافة إلى صعوبة وضع مسطرة رقمية خاصة لإغلاق الحسابات أو حذف الأرشيف المنشور على المنصات الأجنبية.
مخالفة المنع قد تفتح متابعة جديدة
وفي حال خالف المؤثر قرار المنع، أكد الفتحي على أن الأمر لا يقتصر بالضرورة على عدم احترام الحكم السابق، بل يمكن أن يؤدي إلى متابعة جنائية جديدة ومستقلة، موضحا أن الفصل 323 من القانون الجنائي يعاقب من يتهرب من تنفيذ تدبير المنع من مزاولة مهنة أو نشاط أو فن المحكوم به تطبيقا للفصل 87، بالإحالة على العقوبات المنصوص عليها في الفصل 262.
وأوضح أن العقوبة في هذه الحالة تتمثل في الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وغرامة تتراوح بين 200 و1000 درهم، مع إمكانية الحكم أيضا بالحرمان من مباشرة جميع الوظائف أو الخدمات العمومية لمدة لا تتجاوز عشر سنوات.
وتابع: «عودة المؤثر إلى النشر أو صناعة المحتوى خلال فترة المنع، سواء عبر حسابه الأصلي أو حساب جديد أو بواسطة حساب شخص آخر، قد تعرضه لهذه العقوبة، فيما قد تصبح الوضعية أكثر تعقيدا إذا تضمن المحتوى الجديد جريمة أخرى، مثل التشهير أو المساس بالحياة الخاصة أو الإخلال بالحياء العام أو التحريض أو النصب، حيث يمكن حينها أن يواجه متابعة إضافية عن الأفعال الجديدة».
ومع ذلك، شدد الفتحي على أن المتابعة لا تعني الإدانة تلقائيا، إذ يتعين إثبات أن قرار المنع كان واجب التنفيذ، وأن المحكوم عليه كان على علم به، وأن الفعل المرتكب يدخل فعلا ضمن نطاق المنع، وأنه صدر عنه بإرادة واعية، وليس نتيجة ظهور عرضي أو نشر تم من دون موافقته.
ويخلص الخبير إلى أن جوهر الإشكال يكمن في دقة صياغة الأحكام، معتبرا أن القضاء يملك سندا قانونيا لمنع المؤثر من مواصلة النشاط المرتبط مباشرة بالجريمة، لكن ذلك لا يعني تلقائيا منعه من كل استعمال شخصي أو خاص للمنصات.
ويبقى التحدي، بحسبه، في تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من نشاط رقمي ثبت ارتباطه بالجريمة، وبين عدم تحويل التدبير الوقائي إلى حرمان مطلق من الوجود في الفضاء الرقمي.
