ولم ينعكس تباطؤ التضخم ارتياحا ملموسا داخل البيوت؛ فرغم إظهار المؤشرات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط منحنى معتدلا للرقم الاستدلالي لأثمان الاستهلاك، ما تزال النفقات الغذائية تستحوذ على حصة الأسد من ميزانيات العائلات.
وفي هذا السياق، يفسر اليعقوبي تلك الفجوة القائمة بين المؤشرات الماكرو اقتصادية والواقع المعيش بوجود اختلال أكثر عمقا؛ فاستقرار الأسعار الحالي جاء إثر موجات غلاء متتالية استنزفت الجيوب لسنوات، دون أن يمحو الخسائر التراكمية التي أصابت القدرة الشرائية.
ويوضح الخبير الاقتصادي المسألة قائلا: «إن تسجيل تضخم إجمالي ضعيف لا يعني إطلاقا العودة إلى مستويات القدرة الشرائية السابقة، فالأسعار تباطأ صعودها فقط، غير أن الأسر لا تستشعر ذلك لأن الأثمان استقرت عند مستويات مرتفعة أصلا».
ويرى المتحدث أن المغرب دخل مرحلة جديدة من معضلة الغلاء، بعدما أخلت الموجة التضخمية العامة مكانها لصالح تضخم موجه يضغط مباشرة على سلع أساسية تحظى بحصة وازنة في القفة اليومية للمواطن.
وترخي هذه الوضعية بظلالها على الفئات محدودة الدخل، نظرا إلى كون الغذاء يمثل القسط الأكبر من نفقاتها الحتمية؛ الأمر الذي يجعل معدل التضخم العام عاجزا عن نقل حقيقة الصعوبات المعيشية اليومية.
ويؤكد اليعقوبي هذا الواقع بقوله: «ما يهم الأسرة ليس المعدل المتوسط للتضخم، بل الكلفة المباشرة لما تقتنيه كل يوم من مستلزمات».
اختناقات هيكلية تتجاوز الطابع الظرفي
ويرفض رئيس «مجموعة مراكش كونسولتينغ» حصر الأزمة في اختلال عابر بين العرض والطلب، لافتا إلى عوامل بنيوية تواصل إشعال أسعار المواد الغذائية.
فقد أدى توالي مواسم الجفاف إلى تراجع حاد في بعض المحاصيل الفلاحية، بالتزامن مع غلاء المدخلات الزراعية التي تضغط باستمرار على تكاليف الإنتاج، فضلا عن أعطاب متجذرة في تنظيم مسالك التسويق والتوزيع.
ويؤدي تناسل الوسطاء، مع غياب الشفافية في تحديد الأثمان عبر مراحل السلسلة، بجانب التعثر اللوجستي، إلى اتساع الفجوة اتساعا فاحشا بين سعر البيع في الضيعة وثمن الشراء في أسواق التقسيط.
ولن تختفي هذه الاختناقات تلقائيا بحسب اليعقوبي، بل تقتضي إصلاحات جذرية تعوض التدخلات الترقيعية، داعيا إلى تحديث أسواق الجملة والتقسيط، وتدقيق الوضعية القانونية للوسطاء، وفرض الشفافية في المعاملات التجارية.
ويبرز تطوير المسالك القصيرة للتوزيع رافعة رئيسية لتقريب الفلاح من المستهلك وكبح هوامش الربح الوسيطة، إضافة إلى تفعيل نظام تتبع السلع لتقليص نسب الهدر على امتداد سلاسل الإمداد.
ويشدد اليعقوبي على تسريع ورش إصلاح أسواق الجملة، وإعادة هيكلة التعاونيات الفلاحية، وتأطير نشاط الوسطاء بنصوص واضحة، مع تعميم الرقمنة في شبكات التسويق لتسهيل مراقبة حركة السلع ومستويات الأسعار في كل حلقة.
واقترح الخبير إحداث مرصد وطني للأسعار وهوامش الربح، يتولى تتبع تحركات السوق بدقة ورصد الممارسات غير الطبيعية بسرعة لمعالجتها بحزم.
الرقابة والشفافية وتدابير الاستهداف
ويرتكز المسار الإصلاحي الثالث على تشديد آليات الرقابة، حيث يرى الخبير الاقتصادي وجوب مواجهة الممارسات المنافية للمنافسة بعقوبات رادعة بحق.
ويدعو المتحدث إلى تيسير ولوج صغار الفلاحين لأسواق الجملة، وضمان الشفافية بشأن الكميات المسوقة ونسب الأرباح المحققة، مع إمكانية اللجوء إلى إجراءات ضريبية أو سعرية موجهة ومؤقتة تخص بعض المواد الضرورية حين تفرض الظروف ذلك.
ويتجاوز هذا التحليل التداعيات الفورية للأسعار ليخاطب هندسة مشروع قانون المالية لسنة 2027، إذ يرى اليعقوبي أن الميزانية المقبلة عليها أن تعكس تحولا نوعيا في الأولويات الاقتصادية لما بعد المحطات الانتخابية، جازما بأن: «مشروع قانون مالية 2027 يجب ألا يكون ميزانية استمرارية روتينية، بل ميزانية قرارات واختيارات شجاعة».
وتنصب هذه الخيارات على التوفيق الحذر بين إعادة التوزيع ودعم الاستثمار، وبين صون القدرة الشرائية آنيا وتوليد مداخيل مستقرة، فضلا عن الموازنة بين حجم النفقات العمومية ونجاعتها الاقتصادية.
ويلفت رئيس «مجموعة مراكش كونسولتينغ» إلى أن الدعم الاجتماعي يظل صمام أمان للأسر الهشة، إلا أنه لا يصلح علاجا دائما لتآكل القدرة الشرائية، موضحا أنه: «لا يمكن على المدى البعيد تعويض عجز الاقتصاد عن خلق الدخل بمجرد تحويلات مالية ظرفية».
ويرهن اليعقوبي كسب معركة المعيشة بتحسين الإنتاجية، وتحرير المنافسة، وتشجيع الإنتاج الوطني، مع توليد فرص عمل بأجور مجزية تحفظ كرامة الأجراء.
الانتقال من منطق الحجم إلى قياس الأثر
ويمثل الاستثمار، وفق تقييم الخبير، المحرك الأساسي لإنجاح هذا التحول الاقتصادي؛ فبعد نجاح المغرب في استقطاب مشاريع ضخمة بقطاعات إستراتيجية، يتركز التحدي الراهن حول تعظيم مردودها داخل النسيج الاقتصادي المحلي.
ويحث الرئيس السابق للهيئة المهنية للمحاسبين المعتمدين على قياس نجاعة الاستثمارات المستقبلية بمدى قدرتها الفعلية على توفير مناصب الشغل، وخلق القيمة المضافة محليا، وإدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة ضمن سلاسل القيمة، وتطوير الكفاءات المغربية.
ويشمل هذا التوجه قطاعات محورية تتصدرها صناعة السيارات، والطيران، والصناعات الغذائية، والطاقات المتجددة، والتحول الرقمي، والخدمات ذات القيمة العالية، إضافة إلى السياحة.
وتكتمل هذه المنظومة بالسياسة الجبائية، حيث يوصي اليعقوبي بأن يمنح مشروع قانون مالية 2027 الأولوية لاستقرار القوانين، والوضوح، وتوسيع الوعاء الضريبي، عوض إثقال كاهل المقاولات بأعباء جديدة، مذكرا بأن: «المقاولة تضخ استثماراتها حين تتوفر على رؤية واضحة؛ فالاستقرار الجبائي حافز استثماري قائم بذاته».
