وكشفت وزارة الاقتصاد والمالية تفاصيل هذه التوجهات ضمن تقرير تنفيذ الميزانية والتأطير الماكرو اقتصادي الثلاثي، مبينة معالم السياسة الجبائية والجمركية المعتمدة برسم مشروع ميزانية سنة 2027.
ويأتي هذا النص، على الصعيد الضريبي، تتويجا لاكتمال الأوراش الكبرى لإصلاح الضرائب الأساسية للدولة تفعيلا لمقتضيات القانون الإطار رقم 69.19 المتعلق بالإصلاح الجبائي، حيث يتجه المشروع نحو تكريس استقرار المنظومة الضريبية الوطنية وتثبيت المكاسب المحققة.
وتنتظم التدابير الضريبية المرتقبة حول مسارين متكاملين؛ يركز أولهما على إدراج الضمانات الجبائية التي التزمت المملكة بمنحها في إطار ملف ترشيحها لتنظيم كأس العالم 2030 داخل القانون الوطني، فيما ينصب المسار الثاني على ملاءمة القواعد الجبائية واستكمالها انسجاما مع توجيهات قوانين المالية السابقة.
ضمانات جبائية لفائدة «فيفا»
والتزمت المملكة، في إطار التنظيم المشترك لنهائيات كأس العالم «فيفا 2030»، بمنح حزمة ضمانات جبائية لفائدة الاتحاد الدولي لكرة القدم وشركائه وفق النموذج الموحد المفروض على كافة البلدان المستضيفة والمعروف بـ«الضمانة الحكومية رقم 3».
وتسعى هذه التدابير إلى تحييد الأثر الضريبي للمعاملات التي تجريها «فيفا» وشركاؤها، وتيسير المساطر الإدارية المرتبطة بالحدث الكروي العالمي، مستهدفة الضرائب والرسوم المنصوص عليها في المدونة العامة للضرائب؛ كالضريبة على الشركات، والضريبة على الدخل، والضريبة على القيمة المضافة، إضافة إلى واجبات التسجيل.
ويقترح مشروع القانون في السياق ذاته إرساء مسطرة إدارية مبسطة لمعالجة ملفات الهيئات المعنية، لتسهيل إجراءات الإقرار الجبائي وتسريع تسوية طلباتها المتصلة بنظامها الضريبي الخاص ببطولة كأس العالم والفعاليات المرتبطة بها.
ويتجه النص، مع استكمال المحطات الكبرى للإصلاح الجبائي، نحو تدقيق القواعد المعمول بها لتحقيق استقرار النظام الضريبي وترسيخ التحولات التي أقرتها القوانين المالية السابقة.
وفي هذا الصدد، تروم الإجراءات التعديلية تذليل ما تبقى من عقبات ضريبية وتحسين مناخ الأعمال، بما يدعم دينامية الاستثمار وخلق فرص الشغل.
وعلى الصعيد الجمركي، تتوزع التدابير على أربعة محاور هيكلية تهم مواكبة السياسة الاقتصادية والمشاريع التنموية، وملاءمة الجباية الجمركية وتعبئة الموارد، علاوة على حماية الاقتصاد الوطني وتنافسية المقاولات، ومحاربة التهريب.
مواكبة الأوراش المينائية الكبرى
ويضع المحور الأول منصتي «الناظور غرب المتوسط» و«طنجة المتوسط» في صلب أولوياته إلى جانب برنامج «إفريقيا دوان». إذ تستعد إدارة الجمارك لمواكبة انطلاق ميناء الناظور غرب المتوسط بمنظومة جمركية متطورة تقوم على مساطر حديثة وتنظيم ميداني ملائم، يضمن انسيابية العمليات وتأمين الرواج التجاري وتعزيز جاذبية هذه المنصة اللوجستية.
وبالتوازي مع ذلك، يتواصل مسار العصرنة في ميناء طنجة المتوسط لاستكمال الرقمنة الشاملة للمساطر، وحذف المعاملات الورقية المتبقية، لتقليص آجال التخليص الجمركي ورفع تنافسية المركب المينائي دوليا.
وفي ما يخص برنامج «إفريقيا دوان»، يسعى المشروع إلى تثبيت موقع الجمارك المغربية كفاعل مرجعي في التعاون جنوب-جنوب، بتكثيف برامج التكوين والدعم التقني وتقاسم التجارب مع الإدارات الإفريقية الشريكة.
جباية خضراء وتأطير المحروقات
ويرتكز المحور الثاني، المرتبط بملاءمة الجباية وتعبئة المداخيل، على ثلاثة تدابير أساسية؛ يتقدمها تشديد المراقبة على المنتجات البترولية لمحاصرة التهريب والممارسات التدليسية، ولاسيما ظاهرة تحويل مسار الوقود المخصص للقطاعات المستفيدة من الإعفاءات، حيث يتيح تعميم «الترميز الجبائي» تتبع مسار الشحنات وضمان جودتها وتأمين العائدات الجبائية.
ويتعلق التدبير الثاني بتطبيق جباية خضراء تواكب التوجهات الوطنية في الانتقال الطاقي، عبر مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي للضرائب الداخلية على استهلاك الطاقات الأحفورية، لتشجيع الممارسات الحامية للبيئة دون المساس بالتوازنات الميزانياتية.
وتكتمل هذه التدابير بتعزيز منظومة الاستعلام الجمركي من خلال أتمتة تبادل المعطيات مع الإدارات النظيرة في إطار التعاون الإداري الدولي المتبادل، وتحديث أدلة المراقبة ومساطر التفتيش المستندة إلى استغلال البيانات.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة التهريب
ويطرح المحور الثالث، الموجه لحماية الاقتصاد الوطني، أربعة تدابير نوعية تبدأ بالارتقاء بآليات المراقبة القبلية وتقنين الإجراءات المطبقة داخل مناطق التسريع الصناعي والمناطق اللوجستية ومخازن وساحات الاستخلاص الجمركي، بهدف الموازنة بين تيسير المبادلات والتحكم في المخاطر.
ويبرز تسريع دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي كخطوة حاسمة للرصد المبكر لأنماط الغش والتهريب، والرفع من دقة استهداف الشحنات المشبوهة وتحسين عمليات تحليل المخاطر.
وينضاف إلى ذلك تعزيز تتبع المسارات اللوجستية عبر تعميم الأختام الإلكترونية وأجهزة المراقبة اللحظية في عمليات الترانزيت، تطويقا لمخاطر التلاعب بالبضائع أو تفريغها خارج المسالك المحددة.
ويشمل المخطط أيضا ربط أنظمة تحديد المواقع وكاميرات الصدر الفردية لأعوان الفرق الجمركية بالمركز الوطني للمراقبة والإشراف، الذي يتولى المراقبة المركزية بالفيديو للحرم الجمركي على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع.
محاصرة المسالك غير المشروعة
ويحمل المحور الرابع تدابير موجهة لتطويق التجارة غير المشروعة، تستهلها المصالح الجمركية بتحسين مراقبة المسافرين عبر الاستهداف الدقيق ورقمنة إجراءات التفتيش، وتكثيف التوعية بالقوانين المنظمة للسلع المنقولة.
وتوازيا مع ذلك، تعكف المصالح المختصة على تحديث الاستراتيجية الوطنية لمكافحة التهريب بإعداد خريطة مخاطر جديدة، وتطوير المراقبة البعدية المؤتمتة لرفع فاعلية التدخلات الميدانية.
وتختتم هذه الإجراءات بإعادة تنظيم سوق المعادن النفيسة والأحجار الكريمة عبر فرض رقابة صارمة واعتماد دمغ المعادن بتقنية الليزر، إسهاما في محاربة غسل الأموال وتأهيلا لمنظومة الضمان الوطنية.
