ارتبط اسم رشيد شرقاب طيلة مساره المهني بمستشفى ابن رشد، الشريان الصحي الأكبر في العاصمة الاقتصادية. وهناك، في أقسام التخدير والإنعاش، راكم تجربة سريرية وأكاديمية جعلته يحظى بين المرضى وعائلاتهم بلقب «طبيب الفقراء»، نتيجة انحيازه المستمر للفئات المعوزة وتمسكه الصارم بحق العلاج المجاني وصون كرامة المرتفقين.
غير أن التزام الطبيب لم يتوقف عند حدود الممارسة الطبية وتأطير أجيال الأطباء بكلية الطب والصيدلة، بل امتد نحو الميدان النقابي متحملا مسؤولية نائب الأمين العام لنقابة «الاتحاد الديمقراطي المغربي للشغل»، ليمزج بين المطالبة بحقوق الشغيلة الصحية والاحتجاج على واقع المنظومة الاستشفائية.
من إنقاذ الأرواح إلى محراب النضال النقابي
اختار «طبيب الفقراء» كسر الصمت المطبق داخل أقسام الاستشفاء، موجها سهام النقد لما وصفه بـ«سوء تدبير مالي وإداري ونقص حاد في التجهيزات والمستلزمات الحيوية بمستشفى ابن رشد».
وتجاوزت تحركاته حدود الاحتجاج النقابي المعتاد، عبر توجيه تقارير وشكايات مفصلة إلى وزارة الصحة وإدارة المركز الاستشفائي ومصالح النيابة العامة بالدار البيضاء ورئاستها بالرباط، مطالبا بفتح أبحاث قضائية وإدارية موسعة حول تدبير المؤسسة.
اصطدم هذا النهج بقرارات إدارية متتالية راوحت بين التضييق والعزل والتوقيف المؤقت، دون أن تنال من صلابة مواقفه المهنية. وبرز ذلك في واقعة شهيرة تدخل خلالها لمنع بتر ساق مريض بعدما رأى إمكانية علاجها وإنقاذها طبيا، متمسكا باستقلالية القرار العلاجي في مواجهة التوجيهات الإدارية.
منعرج الشكايات وكواليس الإحالة القضائية
لم يتأخر رد الفعل طويلا أمام حدة البيانات والبلاغات الصادرة عن المكتب النقابي، إذ سرعان ما تحولت المواجهة من ردهات المستشفى ومكاتب الإدارة إلى ردهات قصر العدالة.
وجاءت نقطة التحول عقب تقدم ثلاثة أطباء بالمستشفى الجامعي ابن رشد بشكايتين مباشرتين أمام النيابة العامة، يتهمون فيها شرقاب وزميليه عبد اللطيف صدار والتقني محمد آيت الطالب بنشر وقائع غير صحيحة عبر منصات التواصل الاجتماعي، واعتبر المشتكون تلك المنشورات تشهيرا متعمدا وإساءة بالغة مست سمعتهم المهنية وحياتهم الشخصية.
أحالت النيابة العامة الملف على قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع لتعميق البحث والتثبت من طبيعة الوقائع المنسوبة للمشتكى بهم. وانتهت إجراءات التحقيق إلى توجيه صك اتهام ثقيل شمل بث وتوزيع ادعاءات كاذبة، والتشهير ضد امرأة بسبب جنسها، إلى جانب انتحال صفة حددت السلطة العامة شروط اكتسابها على خلفية ممارسة مهام «منسق نقابي» دون استيفاء الشروط القانونية المقررة، وهي جنح تصل عقوباتها الحبسية إلى خمس سنوات.
تفاقم الموقف مع انتصاب المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء-سطات طرفا مدنيا للمطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي الذي لحق بصورة المرفق الاستشفائي. وتوج هذا المسار بإحالة الملف على جلسات الحكم، لتبدأ محاكمة توبع خلالها الطبيب ورفيقاه في حالة سراح مؤقت وسط ترقب حقوقي وطبي مشدود إلى ما ستؤول إليه القضية.
كواليس الصدمة داخل قاعة المحاكمة
خيم هدوء حذر على القاعة رقم 7 بالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع صبيحة الأربعاء 21 أكتوبر 2026، حيث جلس شرقاب محاطا بدفاعه وزملائه وعدد من المتضامنين، في انتظار النطق بالحكم بعد جولات ماراثونية من المرافعات والدفوع الشكلية.
لم تكن ملامح التوتر غائبة عن الوجوه، غير أن مسار المتابعة في حالة سراح كان يبعث على أمل البقاء خارج أسوار السجن حتى استنفاد درجات التقاضي.
بيد أن صوت رئيس الجلسة بدد هذا الهدوء حين شرع في تلاوة منطوق الحكم القاضي بإدانة البروفيسور شرقاب بسنة حبسا نافذا وغرامة قدرها 5000 درهم، ومعاقبة عبد اللطيف صدار بسنتين حبسا نافذا، والتقني محمد آيت الطالب بستة أشهر نافذة، مع تحميلهم تعويضا مدنيا تضامنيا لفائدة إدارة المركز الاستشفائي قدره مليون درهم، و450 ألف درهم لفائدة أطراف مدنية أخرى.
إقرأ أيضا : حين يتحول التبليغ عن الفساد إلى تهمة.. قضية «طبيب الفقراء» تفجر الجدل
لم تتوقف الصدمة عند حدود العقوبة الحبسية؛ إذ فاجأت الهيئة القضائية الحاضرين بتفعيل مقتضيات المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية، الآمرة بالاعتقال الفوري للمدانين من داخل قاعة المحكمة وإيداعهم السجن.
وسادت لحظات ذهول مطبق تلتها صرخات احتجاج واحتضان وداع خاطف بين الطبيب ودفاعه وأقاربه، قبل أن يتدخل عناصر الأمن لاقتياد شرقاب مقيد اليدين من باب القاعة الخلفي نحو سيارة الخفر التابعة للمصلحة الولائية، متجهة به مباشرة صوب سجن عكاشة.
استنفار حقوقي وترقب لمحطة الاستئناف
أشعل مشهد اقتياد البروفيسور من داخل قاعة المحكمة غضبا حقوقيا ونقابيا واسعا في مختلف الأوساط الوطنية.
ودخلت «الجمعية المغربية لحماية المال العام» على خط القضية للتنديد بالحبس المباشر، مؤكدة أن الفضاء الطبيعي للأستاذ الجامعي والطبيب هو قاعات التدريس والمستشفى، محذرة من خطورة ارتداد التبليغ عن شبهات التدبير غير السليم ليتحول إلى متابعات تقود أصحابها خلف القضبان وترهب الكفاءات داخل الإدارات العمومية.
وبالتزامن مع هذا التفاعل، طالبت هيئات مدنية، من بينها «المنظمة المغربية للحقوق والحريات» و«العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان» وهيئات مدنية أخرى، بتمتيع الطبيب بالسراح المؤقت، داعية القطاعات الحكومية الوصية إلى فتح افتحاص شامل ومحايد للملفات التي أثارها المعنيون عوض ملاحقتهم قضائيا.
زوبعة المنصات الرقمية ومعركة الوسوم
تجاوزت ارتدادات الاعتقال أسوار المحكمة لتشعل منصات التواصل الاجتماعي في غضون ساعات قليلة من انتشار نبأ الإيداع السجني. وأطلق نشطاء وأطباء ومواطنون حملة رقمية واسعة تصدرت واجهات التداول بالمغرب، تصدرتها وسوم صريحة من قبيل «#كلنا_البروفيسور_شرقاب»، و«#الحرية_لطبيب_الفقراء»، و«#حماية_المبلغين_عن_الفساد».
وتحولت الحسابات والصفحات الافتراضية إلى سجل مفتوح للشهادات الحية، حيث تداول مئات المرضى وعائلاتهم مواقف إنسانية سابقة للطبيب داخل غرف الإنعاش، مستحضرين تفانيه في علاج الفئات المعوزة ورفضه منطق الزبونية والمتاجرة بآلام المرتفقين.
ورافق هذه الشهادات نشر مقاطع مصورة وتدوينات غاضبة خطها زملاؤه وطلبته في كليات الطب، محذرين من التداعيات النفسية والمهنية لاعتقال قامة طبية كرست حياتها لخدمة المستشفى العمومي.
وتتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء التي ستنظر في الملف، في وقت يضع فيه اعتقال شرقاب الترسانة القانونية المرتبطة بحماية المبلغين عن الفساد والحدود الفاصلة بين حرية التعبير النقابي والمساءلة القضائية أمام محك حقوقي ومجتمعي بالغ الحساسية.
