شاشات تلتهم النوم وعطلات غارقة في «إنستغرام»: دراستان تفككان فخاخ الإدمان الرقمي لدى تلاميذ الدار البيضاء

منع الهواتف النقالة في المؤسسات التعليمية

تلاميذ يستعملون الهواتف النقالة داخل الفصل الدراسي

في 30/09/2026 على الساعة 09:15

تلتهم شاشات الهواتف الذكية ما يزيد على ثماني ساعات من يوم الأحد لدى تلاميذ الثانوي التأهيلي بالدار البيضاء، بينما يستنزف تطبيق «إنستغرام» وحده أزيد من ثلاث ساعات يوميا، في ظل التضحية بساعات الراحة للبقاء على اتصال دائم بالشبكة. هكذا رسمت دراستان علميتان، أنجزهما فريق بحثي من جامعة الحسن الثاني بتعاون مع باحثين فرنسيين، صورة دقيقة لواقع العادات الرقمية لدى المراهقين، محددتين فترتي خطر داهم: ساعات الليل ونهاية الأسبوع.

أجابت دراستان عن تساؤلات ملحة حول الوقت الفعلي الذي يقضيه المراهق أمام جهازه، واللحظات التي ينفصل فيها عن العالم الافتراضي، والحد الفاصل بين الاستخدام المكثف والارتهان الإدماني. وصدرت المادة الأولى بعنوان «الأنماط الزمنية لوقت الشاشة والاستخدام القهري للإنترنت لدى تلاميذ الثانوي المغاربة» في دورية «Addictive Behaviors Reports»، بينما نشرت الثانية تحت وسم «يقظة وتصفح: كيف تتنبأ اضطرابات النوم بالاستخدام القهري للإنترنت لدى المراهقين» ضمن مجلة «Computers in Human Behavior Reports».

أشرف على هذا العمل فريق من مختبر علوم وتكنولوجيات الإعلام والتربية التابع لكلية العلوم بن مسيك بالدار البيضاء، بقيادة الباحثين سميحة عمراني وبوزكري طوري، إلى جانب لوسيا رومو من جامعة باريس نانتير ومستشفى «ريمون بوانكاريه»، وأولمان زرهوني من جامعة روان نورماندي.

وشملت العينة 334 تلميذا تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاما، بعد نيل ترخيص صريح من الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين وموافقة مكتوبة من أولياء الأمور.

أرقام من واقع الهواتف دون تزييف

اعتمد الباحثون مسارا ميدانيا لتجاوز التقديرات الذاتية غير الدقيقة، حيث طُلب من التلاميذ داخل حجرات الدراسة، ودون إخطار قبلي، فتح سجل «الأيام السبعة الأخيرة» المدمج في هواتفهم الذكية، ونقل مجموع مدة الاستهلاك اليومي بدقة وتوزيعها المفصل على مختلف التطبيقات.

جرت هذه الخطوة بعيدا عن فترات العطل وأسابيع الاختبارات تفاديا لأي اضطراب في العادات. وتوزع المشاركون على ثلاث ثانويات تأهيلية عمومية بجهة الدار البيضاء، اثنتان في المجال الحضري وثالثة في الوسط القروي، بمتوسط عمر استقر عند 16 عاما، وبنسبة إناث بلغت 52 في المائة.

أظهرت البيانات قفزة واسعة في وتيرة الاستهلاك، إذ يرتفع المعدل اليومي من نحو أربع ساعات وأربعين دقيقة خلال أيام الأسبوع إلى أكثر من ثماني ساعات وعشرين دقيقة يوم الأحد. وتتسم وتيرة الاستخدام بالاستقرار من الاثنين إلى الخميس، لتبدأ في التسارع يومي الجمعة والسبت قبل أن تبلغ ذروتها القصوى نهاية الأسبوع، متجاوزة استهلاك الجمعة بنحو 80 دقيقة والسبت بقرابة 70 دقيقة.

«إنستغرام» في الصدارة والتطبيقات البصرية تبتلع الوقت

أكد توزيع الاستهلاك حسب البرامج هيمنة المنصات البصرية، حيث تصدر «إنستغرام» القائمة بمعدل 3 ساعات و26 دقيقة يوميا، متبوعا بتطبيق «تيك توك» بساعتين ودقيقتين.

جاء تطبيق «واتساب» في المرتبة الموالية بنحو ساعة وأربع دقائق، يليه «يوتيوب» بساعة ودقيقتين، بينما تراجعت ألعاب الفيديو إلى 38 دقيقة، وموقع «فيسبوك» إلى 31 دقيقة، ومشاهدة الأفلام إلى 11 دقيقة، و«سناب شات» إلى تسع دقائق، في حين ظلت تطبيقات «بينترست» و«تيليغرام» والمنصات الموسيقية على الهامش.

يتحكم الدافع الرئيسي لولوج الإنترنت في الحجم الإجمالي للساعات الضائعة، إذ ينخفض استهلاك التلاميذ الباحثين عن معلومات عامة خارج الإطار المدرسي بنحو 181 دقيقة يوميا مقارنة بمن يركزون على المنصات الاجتماعية.

ويصل هذا الفارق إلى 139 دقيقة لدى من يستعملون الشبكة للدراسة، مع بقاء شبكات التواصل النشاط الأساسي للأغلبية الساحقة، واستحواذ الهاتف المحمول على حصة الأسد متقدما بمسافة كبيرة على الحواسيب الشخصية.

أفرزت هذه المعطيات نمطين بارزين؛ يشمل الأول 35 في المائة من المراهقين باستعمال منخفض ومستقر، في حين يضم الثاني 65 في المائة باستهلاك مرتفع ينفجر خلال عطلة نهاية الأسبوع.

يتمركز الاستخدام القهري للإنترنت داخل المجموعة الثانية، بناء على المقياس الدولي «CIUS» الذي طور الباحثون نسخة معتمدة منه بالدارجة المغربية. ولا يقتصر هذا المعيار على رصد الساعات، بل يقيس ضياع السيطرة، والاستغراق الفكري المستمر، والاضطراب عند الابتعاد عن الشاشة، واستعمال الشبكة كمهرب لتفادي المشاعر السلبية مع إهمال الواجبات.

يضاعف نيل معدل مرتفع في هذا المؤشر احتمال الانتماء إلى فئة الذروة الأسبوعية مرتين. ويضيف كل ارتفاع بنقطة واحدة على سلم التبعية زهاء أربع دقائق من التعرض اليومي للشاشة، مع قابلية واضحة لدى الفتيات والتلاميذ الأكبر سنا للتواجد ضمن هذه الخانة المفرطة.

مسارات متباينة نحو الإفراط بين الذكور والإناث

أبرزت النتائج تباينا في السلوك الرقمي تبعا للجنس، إذ يقضي الذكور وقتا أطول أمام الشاشات خلال أيام الدراسة، محققين مثلا 323 دقيقة يوم الأربعاء مقابل 282 دقيقة للإناث، قبل أن يضيق هذا الفارق بقدوم عطلة نهاية الأسبوع.

يجد هذا الاختلاف تفسيره في ارتماء الفتيان نحو ألعاب الفيديو ومقاطع «يوتيوب»، مقابل انغماس الفتيات في منصات «إنستغرام» و«تيك توك» و«واتساب». وسجلت التلميذات درجات أعلى في الاستخدام القهري بمعدل 24,91 نقطة مقابل 21,05 للذكور، ما يعكس، وفق الباحثين، مسارات سلوكية متمايزة تقود في النهاية إلى الإفراط التكنولوجي نفسه.

أزمة أرق تلاحق المراهقين

نقلت الدراسة الثانية زاوية الرصد صوب النوم عبر استجواب التلاميذ الـ 334 حول جودة نومهم، وتضحيتهم بالراحة للبقاء في الفضاء الرقمي، وتحقيق عتبة الست ساعات ليلا، ومدى لجوئهم للقيلولة بعد مغادرة قاعات الدرس.

جاءت الحصيلة مقلقة، إذ أفاد ربع الذكور وأزيد من ثلث الإناث بمعاناتهم من نوم رديء للغاية، واعترف نحو أربعة فتيان من كل عشرة وقرابة نصف الفتيات بتقليص فترات نومهم عمدا للاستمرار في تصفح الشبكة.

يبقى النوم الطبيعي بعيد المنال لأغلب المستجوبين، حيث لا تتعدى نسبة من ينامون أكثر من ست ساعات 13 في المائة بين الذكور و28 في المائة لدى الإناث، بينما توصي الهيئات الطبية المتخصصة بفترة تتراوح بين ثماني وعشر ساعات لهذه الفئة العمرية.

كشفت المعالجة الإحصائية أن اضطراب النوم يشكل المؤشر الأدق للتنبؤ بالتبعية القهرية مقارنة بمجموع ساعات الشاشة. ويحصل التلاميذ الذين يقتطعون من ليلهم لصالح الشبكة على أعلى درجات الارتهان، دون أن تحدث قيلولة المساء أي أثر إيجابي، حيث استطاع النموذج الرياضي تفسير نحو 40 في المائة من تقلبات مؤشرات الإدمان.

حلقة مفرغة وظروف محلية ضاغطة

تقاطعت الدراستان في تفسير الآليات بالاستناد إلى نموذج «I-PACE»، القائم على فرضية أن ضعف نضج السيطرة الذاتية وشدة الحساسية للمكافآت السريعة يدفعان المراهق نحو الاستعمال القهري. ويؤدي الحرمان من النوم إلى نسف قدرة التلميذ على كبح رغباته، بينما تؤخر الشاشات مواعيد النوم وتفرز الضوء الأزرق المثبط لهرمون الميلاتونين.

حولت الهواتف الذكية الأوقات الميتة إلى مساحات استهلاك بصري متواصل، ما محا الفواصل الطبيعية بين ليل المراهق ونهاره. وتتجمع كل عوامل الخطر في عطلة نهاية الأسبوع عبر زوال الالتزامات المدرسية، وتراخي المراقبة العائلية، وتعاظم سطوة المحتويات المبنية على آليات التحفيز المتكرر، ما يفتح الباب أمام تقلبات المزاج والهشاشة العاطفية.

تتغذى هذه الوضعية على معطيات السياق المغربي، حيث يمر الارتباط بالإنترنت عبر الهواتف الفردية مع انتشار عروض بيانات منخفضة التكلفة، يقابلها شح في مرافق الترفيه والأنشطة الميدانية الموجهة لليافعين، فضلا عن ضعف برامج التوعية الرقمية بالمؤسسات التعليمية.

تنسجم هذه المعطيات مع أبحاث وطنية سابقة، منها دراسة بجهة سطات ربطت استعمال الهواتف بقلة النوم ورداءته، وبحث يعود لسنة 2020 قدر نسبة تلاميذ الثانوي المعنيين بإدمان الإنترنت بنحو 16 في المائة، رابطا ذلك بتراجع تحصيلهم الدراسي.

التوجه نحو ساعات الخطر وتأمين النوم

خلص العمل البحثي إلى حزمة توصيات متكاملة، تدعو إلى إعادة توجيه الجهد الوقائي نحو اللحظات الحرجة عوض الانشغال بالرقم الإجمالي لساعات الشاشة، مع إدماج سبل تدبير عطلة نهاية الأسبوع ضمن المناهج التعليمية.

ودعا الباحثون إلى بعث أنشطة موازية تحفز التواصل الواقعي خلال العطل، وإطلاق حملات تحسيسية بمشاركة شركات الاتصالات. وشدد الفريق على أهمية استلهام التجارب التشريعية الدولية الرامية إلى تطويق آليات الجذب الرقمي المصممة لإبقاء القاصرين أمام الأجهزة، وتقييد فترات اللعب ليلا، مع تكييفها مع البيئة الوطنية، واستهداف تلاميذ المستويات الختامية ومن يعانون من مؤشرات ارتهان مرتفعة بالدرجة الأولى.

وخلصت القراءة العلمية إلى ضرورة جعل حماية النوم محورا أساسيا لأي سياسة وقائية، باعتباره هدفا علاجيا أدق وأنجع من وضع قيود زمنية عامة يصعب إلزام المراهقين باحترامها.

تحرير من طرف هاجر خروبي
في 30/09/2026 على الساعة 09:15