ويشكل هذا المشروع محطة جديدة في مسار إعادة تنظيم المجال الحضري بمحيط باب دكالة، من خلال تجاوز مظاهر العشوائية التي طبعت المنطقة لسنوات، والعمل على إضفاء جمالية جديدة على أحد المداخل التاريخية للمدينة العتيقة، مع تعزيز حضور المساحات الخضراء وتحسين شروط استعمال الفضاءات العمومية.
ولا تقتصر أهمية إعادة تهيئة حديقة المرابطين على الجانب الجمالي والتشجير، بل تمتد إلى تحسين شروط السلامة والراحة داخلها. فقد ساهمت إعادة تنظيم الغطاء النباتي وفتح مجالات الرؤية، وفق ما تستهدفه أشغال التأهيل، في الحد من الزوايا المعزولة التي كانت تعيق الاستعمال المريح للحديقة، بما يعزز إمكانية استقبال الأسر والنساء والأطفال في ظروف أكثر ملاءمة.
ويكتسي الحفاظ على الأشجار المعمرة أهمية خاصة ضمن هذا الورش، بالنظر إلى قيمتها البيئية والجمالية ودورها في تشكيل الهوية البصرية للمكان. فهذه الثروة النباتية تمثل رصيدا طبيعيا ينبغي تثمينه، لما توفره من ظل وتلطيف للمناخ المحلي، فضلا عن مساهمتها في تحسين جودة الهواء وتعزيز التنوع البيئي داخل النسيج الحضري.
ويأتي تأهيل الحديقة ضمن مشروع أوسع يمتد على مساحة تقارب سبعة هكتارات، تشمل محيط مسرح سوق الجملة القديم والفضاءات المجاورة، في إطار رؤية تروم إحداث تحول متكامل في المنطقة. ويشمل هذا الورش، وفق المعطيات المقدمة بشأن المشروع، تهيئة حدائق موضوعاتية وساحات وممرات للمشاة، وتجهيز الفضاءات بأثاث حضري حديث، إلى جانب إحداث ملاعب للقرب لتشجيع الممارسة الرياضية وتعزيز جاذبية المكان لفائدة مختلف الفئات العمرية.
كما يتضمن المشروع إحداث مرآب تحت أرضي بطاقة استيعابية تصل إلى 1500 سيارة، فضلا عن توفير مواقف للعربات المجرورة، في خطوة تستهدف المساهمة في تنظيم حركة السير والجولان والتخفيف من الضغط المروري الذي تعرفه المنطقة، بالنظر إلى موقعها الحيوي عند مدخل المدينة العتيقة.
ومن أبرز رهانات هذا المشروع إدماج البعد البيئي في تدبير المساحات الخضراء، من خلال اعتماد السقي الآلي باستخدام المياه العادمة المعالجة، بما من شأنه ترشيد استهلاك المياه والمحافظة على الغطاء النباتي، في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بالتغيرات المناخية وندرة الموارد المائية.
ويندرج هذا التوجه ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الاستدامة الحضرية بمراكش، في أفق سنة 2028، عبر إرساء فضاءات تجمع بين الوظائف البيئية والاجتماعية والجمالية، وتستجيب لحاجيات المدينة المتنامية في مجال الترفيه والتنقل وتحسين جودة العيش.
غير أن نجاح هذا التحول لا يرتبط بالأشغال والتجهيزات وحدها، بل يظل رهينا أيضا بحسن التدبير والصيانة المنتظمة، إلى جانب انخراط المواطنين في حماية المرافق العمومية والمحافظة على نظافة الحديقة ومكوناتها النباتية وتجهيزاتها. فاستدامة الفضاء الأخضر مسؤولية مشتركة تتقاطع فيها جهود المؤسسات مع وعي المجتمع.
وبين استعادة الجمالية الحضرية وصون الرصيد الطبيعي وتحسين شروط استعمال الفضاء العمومي، تتطلع حديقة المرابطين إلى أن تصبح نموذجا لمتنفس بيئي يستعيد دوره في حياة المراكشيين، ويمنح محيط باب دكالة نفسا جديدا يزاوج بين ذاكرة المكان ومتطلبات المدينة الحديثة.
