من ندرة المياه إلى عودة الحياة للواحات.. كيف غيّر سد قدوسة المشهد الفلاحي بضواحي بوذنيب؟

سد قدوسة بإقليم الرشيدية

في 25/10/2026 على الساعة 13:43

فيديوفرضت ندرة المياه، لسنوات، تحديات ثقيلة على النشاط الفلاحي والواحات بضواحي بوذنيب بإقليم الرشيدية، لكن اليوم بدأت ملامح المشهد تتغير: أراض تستقبل مياه السقي، وواحات استعادت حيويتها، وآمال فلاحين تجددت في منطقة طالما ارتبطت حياتها بما تجود به السماء.

وراء هذا التحول، يقف سد قدوسة، أحد أكبر المنشآت المائية بحوض كير زيز غريس، بعلو يصل إلى 65 مترا، وسعته تخزينية تقدر بنحو 224 مليون متر مكعب، ليشكل رافعة لتنمية المجال الفلاحي وتأمين موارده المائية.

وبهذا الخصوص، أوضحت سعاد بومسهول، رئيسة قسم تقييم وتخطيط الموارد المائية بوكالة الحوض المائي لكير زيز غريس، في تصريح لـLe360، أن سد قدوسة مكن منذ دخوله حيز الاستغلال، من تعبئة موارد مائية سطحية مهمة على مستوى حوض كير، وهو ما أسهم في تلبية الحاجيات المائية للقطاع الفلاحي بالأراضي الواقعة أسفل السد.

وأشارت إلى أنه خلال الموسم الفلاحي الماضي تمت تعبئة حوالي 13 مليون متر مكعب من المياه لتوفير السقي لهذه الأراضي، في حين خُصص خلال الموسم الفلاحي الحالي ما يناهز 35 مليون متر مكعب من مياه حقينة السد للغرض ذاته.

وأكدت أن سد قدوسة لا يقتصر دوره على دعم الأنشطة الفلاحية، بل يضطلع كذلك بدور أساسي في حماية الساكنة وممتلكاتها من مخاطر الفيضانات خلال الفترات التي تعرف تساقطات مطرية مهمة.

وفي ما يتعلق بالأمطار الأخيرة، أوضحت أن السد شهد انتعاشة ملحوظة بفضل الواردات المائية التي استقبلها، ما ساهم في تحسين مخزون الحقينة ورفع حجم المياه المخزنة بها.

وبلغت نسبة ملء السد بتاريخ اليوم 41.18 في المائة أي ما يعادل 92.32 مليون متر مكعب من المياه.

مشروع ضخم لسقي 5000 هكتار

ولإيصال هذه المياه إلى الأراضي الفلاحية، أُنجز مشروع متكامل للري انطلاقا من سد قدوسة، ويتعلق الأمر بمشروع تنمية الري وتكييف الزراعات المسقية بأسفل سد قدوسة. يهدف إلى تأمين مياه السقي على مساحة تصل إلى 5000 هكتار، عبر منشآت وتجهيزات هيدرومائية تتيح نقل المياه وتوزيعها على المناطق المستفيدة.

مشروع يُراهن عليه لتخفيف الضغط على الموارد المائية الجوفية، وتحسين ظروف الإنتاج الفلاحي، ودعم استدامة النشاط الزراعي، ولا سيما زراعة النخيل التي تشكل أحد أعمدة الاقتصاد الواحي بالمنطقة.

وأكد جمال ميموني، المدير الجهوي للفلاحة بجهة درعة تافيلالت، أن هذا المشروع الذي يندرج ضمن أهداف استراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030»، التي أعطى انطلاقتها الملك محمد السادس، يشكل استجابة مباشرة للتحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية التي تعرفها الجهة، من خلال تعبئة المياه السطحية واستعمالها بشكل أمثل وترشيد استغلالها، بما يضمن تنمية فلاحة مسقية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وأوضح أن المشروع يهم سقي نحو خمسة آلاف هكتار من الأراضي الفلاحية، من بينها 825 هكتارا من الواحات التقليدية، موزعة على سبع واحات بالمنطقة، والتي تستفيد من المياه المعبأة بسد قدوسة والبالغة حوالي 30 مليون متر مكعب سنويا.

كما يشمل المشروع 4125 هكتارا من أراضي الجموع التي تم تثمينها وإدماجها ضمن البرنامج التنموي المرتبط بالمشروع.

وأشار إلى أن المشروع يستفيد منه ثلاثة أصناف من الفاعلين؛ أولهم حوالي 16 ألف فلاح ينشطون داخل الواحات التقليدية، إضافة إلى 425 من ذوي الحقوق الذين استثمروا أراضي الجموع في مشاريع فلاحية متنوعة، فضلا عن 39 مستثمرا أنجزوا مشاريع استثمارية بالمنطقة، خاصة في مجال غرس النخيل وإنتاج التمور، باعتباره نشاطا فلاحيا ملائما للمنطقة ويوفر قيمة مضافة مهمة للاقتصاد الجهوي.

وأضاف أن المشروع انطلقت أشغاله خلال الفترة ما بين سنتي 2018 و2019، وتم استكمال مختلف مكوناته، فيما دخل مرحلة الاستغلال الفعلي خلال السنة الماضية، حيث يستفيد جميع المعنيين حاليا من المياه السطحية المعبأة بسد قدوسة.

وأكد أن المشروع لم يقتصر على إنجاز البنية التحتية الخاصة بالري، والتي شملت مد شبكة من القنوات تحت الأرض بطول يتجاوز 220 كيلومترا لتأمين إيصال المياه إلى مختلف الواحات والمستثمرات الفلاحية، بل تضمن أيضا مكونات اجتماعية وتنموية مهمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن المشروع ساهم في تمويل نحو 139 تعاونية تنشط في مجالات متعددة، من بينها الفلاحة والسياحة والتعليم وغيرها من الأنشطة المدرة للدخل، مما وفر دفعة قوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، خاصة على مستوى جماعتي بودنيب ووادي النعام المستفيدتين من هذا المشروع.

وبين مياه تُخزَّن خلف جدران السد، وأخرى تشق طريقها نحو الحقول والواحات، تتشكل ملامح مرحلة جديدة بضواحي بودنيب. فالماء هنا ليس مجرد مورد للسقي، بل شريان حياة ترتبط به استمرارية الواحات، ومستقبل الفلاحة، واستقرار الأسر التي جعلت من هذه الأرض مصدر عيشها.

ورهان المرحلة المقبلة، أن تتحول هذه المشاريع المائية إلى أثر مستدام، يحمي الواحات من شبح العطش، ويمنح المنطقة قدرة أكبر على مواجهة سنوات الجفاف.

تحرير من طرف فاطمة الزهراء العوني و سعيد بوشريط
في 25/10/2026 على الساعة 13:43