بنطلحة الدكالي: الذباب القادم من الشرق

محمد بنطلحة الدكالي

في 15/08/2026 على الساعة 15:29

مقال رأيفي أول زيارة دولة يقوم بها رئيس فرنسي إلى الجزائر منذ استقلالها، حل جاك شيراك، في مارس 2003، بالبلد الذي عاش 132 سنة تحت الاستعمار الفرنسي، ويبني خطابه الرسمي على تمجيد حرب التحرير التي قدمت، كما يزعم، «خمسة ملايين ونصف مليون شهيد». فخرجت حشود ضخمة لاستقباله، وهي تهتف: «شيراك، فيزا! فيزا! فيزا!».

نستحضر هذا المشهد المليء بالمفارقات لما يكشفه من تجذر الرغبة في الرحيل من الجزائر، حتى نحو فرنسا نفسها، بإرثها الاستعماري الثقيل. ونستحضره لأن الإعلام الجزائري، ومعه عدد كبير من الحسابات الرقمية، انخرط في حملة استغلت اندفاع شباب مغاربة نحو سبتة، وبالغت في أبعاده للترويج لصورة مشوهة عن المملكة وأوضاعها الداخلية.

ولم يقتصر الدور الجزائري على استغلال الحدث بعد وقوعه؛ فقد وثق الخبير الإسباني في الأمن والاستخبارات خوسيه ماريا خيل غاري، في تقريره عن النشاط الرقمي الذي سبق أحداث نهاية يوليوز، مجموعات وحسابات شاركت في التعبئة وتداول المعلومات العملية عن التوقيت والمسارات ونقاط التجمع.

وفي 28 يوليوز ظهرت مجموعة واتساب باسم «هجمة كرياج سبتة»، تدار بأرقام تحمل المفتاح الدولي الجزائري +213، وتداولت معلومات مرتبطة بالوصول والتحرك والوضع الميداني، ثم ظهرت مجموعة أخرى مع انتقال جانب من النشاط نحو مليلية.

إن الجزائر التي جعلت من الهجرة المغربية مادة لحملتها تعرف هذه الظاهرة منذ عقود وعلى نطاق واسع. وحتى حكم المحكمة العليا الإسبانية، الذي جرى تداوله بكثافة قبيل أحداث سبتة، صدر أصلا في قضية مواطن جزائري اعترض في البحر أثناء محاولته الوصول سباحة إلى المدينة سنة 2024. وهي واقعة تندرج ضمن حركة أوسع للهجرة الجزائرية نحو إسبانيا، تكشف الأرقام حجمها بوضوح.

ففي سنة 2025، سجل الاتحاد الأوروبي 70,905 مواطنين جزائريين عثر عليهم في وضعية إقامة غير قانونية، وهو أعلى رقم بين جنسيات الدول من خارج الاتحاد الأوروبي. وفي فرنسا وحدها سجلت السلطات خلال السنة نفسها 46,956 عملية توقيف لراشدين جزائريين في وضعية غير نظامية، وهو أعلى رقم بحسب الجنسية، بزيادة بلغت 39.1 في المئة خلال سنة واحدة.

وتظهر أرقام غرب المتوسط الصورة نفسها. ففي 2025 مثل الجزائريون 54 في المئة من الوافدين عبر هذا المسار، فيما أصبحت الجزائر نقطة انطلاق لنحو 75 في المئة من الرحلات المسجلة عليه، مقابل نحو 40 في المئة سنة 2024. ووصل إلى جزر البليار وحدها 7,321 مهاجرا ولاجئا خلال السنة، بزيادة 22 في المئة عن السنة السابقة. وبين السواحل الجزائرية وجنوب إسبانيا وجزر البليار استقر واحد من أهم مسارات الهجرة غير النظامية نحو إسبانيا.

وتؤكد معطيات 2026 استمرار هذا الحضور. فبحسب تقرير للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، بلغ عدد الواصلين إلى إسبانيا عبر مسار غرب البحر الأبيض المتوسط خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة 5,647 شخصا، وتصدر الجزائريون جنسيات الوافدين بنسبة 42 في المئة.

ولهذا الطريق كلفته البشرية الثقيلة. فقد وثقت منظمة Caminando Fronteras خلال 2025 ما مجموعه 1,037 قتيلا أو مفقودا على المسار الجزائري، الذي أصبح، بحسب المنظمة، الأكثر استخداما للوصول إلى إسبانيا وواحدا من أخطر المسارات.

كل ذلك يجري في بلد غني بالنفط والغاز، لكنه بنى اقتصاده لعقود على الريع أكثر مما بناه على الإنتاج وتنويع مصادر الثروة. ورسخ هذا النموذج اعتمادا واسعا على الدولة في توزيع الموارد والوظائف والمنافع، ومعه ثقافة العطالة وانتظار ما تمنحه الدولة. ورغم العائدات الهائلة التي تدفقت على البلاد طوال عقود، لم يتشكل اقتصاد متنوع ومنتج بالقدر الذي تتيحه مواردها، فيما واصلت قوارب المهاجرين مغادرة السواحل الجزائرية نحو أوروبا.

وحين خرج الجزائريون في حراك 2019، كانت «العصابة» و«حكم السراق» من العبارات التي اختارها الشارع نفسه للاحتجاج على إدارة السلطة والثروة.

وتجاوزت الهجرة غير النظامية في الجزائر بعدها الاجتماعي لتدخل الثقافة والمخيال الشعبي. وقد جعلت الباحثة الجزائرية فريدة صويح من «الحراقة» موضوعا لسنوات من البحث، توجتها بأطروحة دكتوراه في العلوم السياسية نوقشت في معهد العلوم السياسية بباريس (Sciences Po) سنة 2014 بعنوان «الحراقة في الجزائر: الهجرة والاحتجاج».

كما خصصت دراسة بعنوان «الموسيقى الشعبية والمخيال الهجروي في الجزائر» لحضور الرغبة في الهجرة في الراي والراب، وربطتها بمفاهيم مثل «الحكرة» وما تحمله من إحساس بالظلم والإقصاء والعجز. وانطلقت الدراسة من النجاح الواسع لأغنية Partir loin لفرقة 113 ورضا الطالياني، التي اشتهرت بلازمتها «يا البابور يا مون أمور»، بوصفها تعبيرا فنيا عن ضيق الأفق والرغبة في المغادرة. وانتقلت هذه الثقافة بأغانيها ومفرداتها إلى فضاء مغاربي أوسع.

أما الهجوم الرقمي على المغرب، فقد انكشف جانب من أدواته في نونبر 2025، عندما أضافت منصة X خاصية «حول هذا الحساب» (About This Account)، التي تتيح التعرف على البلد أو المنطقة التي يرتبط بها الحساب. فقد ظهرت حسابات منخرطة في قضايا مغربية داخلية، تخاطب المغاربة، وبعضها يقدم نفسه باعتباره صوتا مغربيا، بينما كانت بيانات المنصة تربطها بالجزائر.

وبعد افتضاح هذه الممارسات، فقدت كثيرا من قدرتها على التأثير. فالأسلوب بات مكشوفا، والحسابات التي تتخفى وراء هوية مغربية يسهل اليوم التعرف إلى مصدرها، مهما تكاثرت ورددت الخطاب نفسه. ولم يعد هذا الضجيج ينطلي بسهولة إلا على العقول القاصرة عن التمحيص، التي تستهلك ما يعرض عليها من دون سؤال عن المصدر أو السياق.

ولم تكن حملة سبتة سوى أحدث حلقات هذا الاستهداف. فقد سبقتها، خلال كأس إفريقيا للأمم، حملة رقمية وإعلامية جزائرية حاولت النيل من التنظيم وصورة المغرب، رغم النجاح الكبير الذي حققته المملكة في استضافة البطولة. ولم يكن استهداف الرياضة اعتباطيا؛ فقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى واجهات الحضور المغربي في العالم، منذ الإنجاز التاريخي للمنتخب في مونديال قطر، وصولا إلى اختيار المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لتنظيم كأس العالم 2030.

وتأتي هذه الحملات في سياق حقق فيه المغرب نجاحات دبلوماسية متتالية، في مقدمتها المكاسب التي راكمها في قضية الصحراء واتساع التأييد الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، إلى جانب تنامي حضوره في إفريقيا وتعزيز شراكاته مع قوى إقليمية ودولية. وفي المقابل، وجدت الجزائر نفسها أمام عزلة دبلوماسية خانقة، وعاجزة عن وقف هذا المسار، ولا سيما في ملف الصحراء الذي جعلته منذ عقود محورا رئيسيا في سياستها الخارجية. وأمام ما راكمه المغرب من مكاسب دبلوماسية، اتسعت المواجهة إلى الإعلام والفضاء الرقمي، وأصبح استهداف صورة المملكة وجها آخر للصراع.

إن المغرب دولة عريقة لم تبن على ذاكرة مصطنعة ولا على هوية اختلقت حديثا لخدمة شرعية سياسية مفقودة. فقد امتدت دولته عبر قرون، واجتازت أزمات واختبارات كبرى، وعرفت في كل مرة كيف تستعيد توازنها وتخرج أكثر قوة.

ولن ينال من دولة بهذا الرسوخ الذباب الكرغولي القادم من الشرق.

تحرير من طرف محمد بنطلحة الدكالي
في 15/08/2026 على الساعة 15:29