إن ارتداء قناع «جانوس» يمكنك من أن تلعب على الحبلين في حفل تنكري، والأنكى من ذلك أن بعض الدول اتخذت من ذلك عقيدة دبلوماسية، حيث ازدواجية المواقف. ورغم أن الظرفية الجيوسياسية الدولية تغيرت، وجرت مياه كثيرة تحت الجسر، فإن الراقص على الحبال ما يزال رهين حسابات قديمة، لم يفلت بعد من أسر التاريخ وعقدة الجغرافيا.
إسبانيا، التي تعد أكبر شريك تجاري للمغرب داخل الاتحاد الأوروبي، ومن بين أكبر شركائه التجاريين في العالم، تعلم جيدا أن المغرب يحمي الحدود الجنوبية لأوروبا من الهجرة غير النظامية وشبكات تهريب المخدرات، كما تدرك الدور المحوري الذي يضطلع به في التعاون الأمني لمحاربة الإرهاب والتطرف، وأنه ملتزم بصدق النوايا وحسن التعاون. ومع ذلك، ما يزال تنامي الحضور المغربي يوقظ هواجس داخل دوائر عديدة في إسبانيا.
وما يقدمه المغرب في مختلف هذه الملفات هو تعبير عن شراكة استراتيجية، والشراكات تفرض بطبيعتها مراعاة المصالح العليا لكل طرف، لأنها تشكل الأساس الذي تقوم عليه الثقة بين الدول.
وفي هذا السياق، جاءت أحداث العبور الجماعي نحو مدينة سبتة لتعيد التذكير بهذا المبدأ. فسرعان ما استخدمت صحف محافظة مفردات من قبيل «الاجتياح» و«الغزو» و«انهيار الحدود»، بينما أقرت الحكومة الإسبانية بإخفاق استخباراتي، مؤكدة أنها لم تكن تتوفر على معلومات مسبقة حول ما سيحدث. أما صحيفة «إل باييس» فكتبت أن «ما شهدته المدينة يتجاوز في دلالاته ملف الهجرة، ويفرض إعادة التفكير في كيفية إدارة الحدود والعلاقات الثنائية مع المغرب، فضلا عن تداعياته على الاتحاد الأوروبي».
ولم تبق ارتدادات الأزمة محصورة في العلاقة المغربية الإسبانية، بل امتدت إلى شركاء مدريد داخل الاتحاد الأوروبي. فقد أعلنت إيطاليا تعليق تعاونها مع إسبانيا في إطار ترتيبات شنغن، بينما دعت كل من الدانمارك وفنلندا إلى دراسة إمكانية اتخاذ إجراءات مماثلة.
وأمام هذا المشهد، أكد رئيس الحكومة الإسبانية أن مدينتي سبتة ومليلية لا تنتميان إلى فضاء شنغن، في إقرار ينسف كثيرا من الطروحات التي سعت إلى تقديمهما امتدادا طبيعيا للمجال الأوروبي.
واللافت أن هذه التطورات جاءت بعدما أكدت سفيرة المغرب لدى إسبانيا، كريمة بنيعيش، أن أحداث التدفق البشري نحو سبتة لا ترضي المملكة، داعية المغاربة المعنيين إلى العودة. كما جاء في وقت كانت مدريد تؤكد فيه رغبتها في استعادة علاقاتها مع الرباط، ويصدر فيه وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، تصريحات شبه يومية تؤيد تعزيز العلاقات مع المغرب.
وفي خضم هذا التناقض، يبرز سؤال مشروع: كيف يمكن الحديث عن بناء علاقة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، مع استمرار بعض الممارسات التي تستحضر منطق الحرب الباردة وحساباتها؟ ذلك هو جوهر المفارقة التي جعلت الخطاب الإسباني يبدو وكأنه يتحدث بوجهين؛ أحدهما يدعو إلى الشراكة والثقة، والآخر يستدعي هواجس الماضي كلما برز المغرب باعتباره فاعلا إقليميا متصاعد الحضور.
إن صناع القرار في إسبانيا عليهم أن يدركوا جيدا أن البلدين الجارين محكومان بالتعاون وحسن الجوار من أجل الأجيال المقبلة. فثمة الكثير مما يجمع الشعبين المغربي والإسباني، ويكفي أن نتأمل الفلامنكو، ذلك الفن الذي يحمل آثار التفاعل الحضاري بين الضفتين، لندرك أن العلاقات الصادقة لا تبنى بالأقنعة، وأن الثقة بين الدول لا تستقيم مع الازدواجية.
لذلك، وبدون قناع... رقصة الفلامنكو لا تستقيم على الحبال.
