الاستقلال يعري البوليساريو
أكثر من 60 ألف شخص حضروا التجمع للاستماع إلى قيادة حزب الاستقلال وبرنامجه، في مشهد يعيد إلى الواجهة مسألة المشاركة السياسية في الصحراء المغربية، ويطرح عمليا سؤال التمثيلية الذي ظلت البوليساريو تقدم بشأنه نفسها باعتبارها «الممثل الوحيد» للصحراويين.
فالحشود التي خرجت في العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها من تندوف أو الجزائر العاصمة. هؤلاء المواطنون يمارسون السياسة داخل الأحزاب المغربية، يستمعون إلى برامجها، يناقشونها، ثم يملكون في النهاية حرية الاختيار عبر صناديق الاقتراع.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات تجمع الأحد. فالقضية لا تتعلق بكون كل من حضر سيصوت لحزب الاستقلال، وإنما بقدرة حزب سياسي على جمع عشرات الآلاف حول برنامج انتخابي، في إطار تنافس سياسي مفتوح مع أحزاب أخرى. وهي صورة تناقض عمليا خطاب «الممثل الوحيد» وتطرح في المقابل سؤال التعددية السياسية داخل البوليساريو. حزب الاستقلال ألقى أيضا الكرة في ملعب البوليساريو وضغط عليها وأحرجها.
كما يمنح هذا المشهد للمغرب مادة سياسية يمكن ضمها إلى باقي الدفعات المغربية أمام الأمم المتحدة والمنتظم الدولي وباقي الفاعلين الإقليميين والدوليين. سكان الصحراء لا يقفون خارج المؤسسات، وإنما يشاركون في الانتخابات وفي تدبير شؤونهم المحلية والجهوية، ويختارون ممثليهم ضمن التعددية الحزبية المغربية.
جواب من العيون إلى مدريد
يحمل تجمع العيون أيضا دلالة خاصة بعد تصويت مجلس النواب الإسباني، الأسبوع الماضي، على مقترح يتعلق بمنح الجنسية للصحراويين، وهو قرار يراه كثيرون سياسيا أكثر منه إنسانيا أو مجرد اعتراف بحق تاريخي.
فالجواب الذي تقدمه العيون هنا ليس قانونيا بل سياسيا وميدانيا؛ عشرات الآلاف من الصحراويين يوجدون في مدينتهم، على أرضهم، ويمارسون حقوقهم السياسية إلى جانب باقي المغاربة.
ومن هذه الزاوية، يصبح المشهد أكثر دلالة من الجدل الدائر خارج المغرب حول من يمثل الصحراويين أو من يتحدث باسمهم. فالرسالة التي تخرج من صناديق الاقتراع والتجمعات السياسية هي أن الصحراويين قادرون على تمثيل أنفسهم بأنفسهم.
حزب الاستقلال يختبر وزنه في الميدان
أما داخليا، فإن تجمع العيون يمثل ردا مباشرا على من يحاول التقليل من وزن حزب الاستقلال وأهل ولد الرشيد في المدينة والصحراء المغربية، وكذلك على المنافسين الحزبيين الذين يتحدثون عن حضورهم في الأقاليم الجنوبية دون أن يترجم هذا الحضور إلى تعبئة مماثلة في الميدان.
نزار بركة اختصر هذه الرسالة بقوله أمام الحشود: «العيون مع حزب الاستقلال وستبقى مع حزب الاستقلال».
وبعيدا عن الحساب الانتخابي المباشر، فإن الحزب أظهر مرة أخرى أن حضوره في الصحراء ليس وليد الظرفية الانتخابية، بل يرتبط بتاريخ سياسي ونضالي وتنظيمي طويل، وبشبكة محلية جعلت أهل الرشيد أحد أبرز مكونات المشهد السياسي في العيون.
وتظهر آثار التدبير المحلي أيضا في التحول الذي عرفته المدينة. فالعيون اليوم تتوفر على فضاءات خضراء ومرافق للترفيه وملاعب للقرب وكليات وتجهيزات أساسية، في وقت تراجعت فيه مدن مغربية أخرى مثل المحمدية وفاس وتمارة وسلا وسيدي قاسم وسيدي سليمان وخنيفرة ومريرت إلى درجة أن جزءا من سكانها بات يقارن حاضرها بماض يعتبره أفضل.
ولا يعني ذلك أن العيون حلت جميع مشاكلها. فالتشغيل يظل تحديا أساسيا، وهو ما شدد عليه نزار بركة نفسه. لكن المقارنة تبرز أن المدينة، التي يرأس مجلسها حمدي ولد الرشيد، عرفت مسارا تنمويا ملموسا، على غرار تجارب مدن مغربية أخرى ارتبط تطورها بقوة نخبها المحلية.
من الحشود إلى الحكم الذاتي
الدلالة الأبعد لتجمع الأحد ترتبط بما قاله نزار بركة بوضوح: «الحكومة المقبلة هي حكومة تنزيل الحكم الذاتي في إطار الثوابت».
هنا ينتقل حضور حزب الاستقلال في الصحراء من المعركة الانتخابية إلى سؤال المرحلة المقبلة. فإذا كان الحكم الذاتي هو المشروع الذي يدافع عنه المغرب لحل النزاع، فإن تنزيله يحتاج إلى قوى سياسية تمتلك حضورا فعليا في المنطقة، وامتدادا مجتمعيا، وتجربة في تدبير المؤسسات المحلية والجهوية.
ومن هذه الزاوية، يقدم حزب الاستقلال نفسه باعتباره أحد الأحزاب المؤهلة للمساهمة في تنزيل الحكم الذاتي ومواصلة النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية تحت قيادة الملك محمد السادس.
لذلك، فإن صورة أكثر من 60 ألف شخص مجتمعين في قلب العيون تتجاوز بكثير حدود مهرجان انتخابي. إنها رسالة إلى المنافسين في الداخل بأن الحضور السياسي يقاس أيضا بالميدان، ورسالة إلى مدريد بأن الصحراويين يمارسون السياسة ويختارون ممثليهم داخل المغرب، ورسالة أكثر وضوحا إلى البوليساريو والجزائر وخصوم الوحدة الترابية: التمثيلية لا تُعلن من الخارج، بل تُختبر بين الناس وعلى الأرض وعبر صناديق الاقتراع.