لم يكن توقيت التصريح وليد الصدفة، بل جاء ليرسم واقعا جديدا. فمن خلال الربط الصريح بين استمرار البعثة ووجود «مسار سياسي حقيقي يستند إلى مخطط الحكم الذاتي»، تجاوز والتز مجرد التعبير عن موقف دبلوماسي، ليضع حجر الأساس لدور جديد للبعثة، تزامنا مع استعداد مجلس الأمن لإعادة صياغة معالم مهمة أممية تبحث عن جدواها.
وأمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي، أدلى والتز بتصريحات حاسمة أكد فيها: «في الصحراء، شددنا على ضرورة ربط تجديد قوة حفظ السلام بمسار سياسي حقيقي يتخذ من مخطط الحكم الذاتي المغربي قاعدة للمفاوضات». جاء ذلك خلال جلسة استماع تمحورت حول إصلاح الأمم المتحدة وتقييم الأولويات الأمريكية (شاهد الفيديو ابتداء من الدقيقة 25:00).
لم تعد واشنطن تكتفي بدعم المغرب، بل أصبحت ترهن هيكلة الوجود الأممي بتوجه سياسي محدد.
ويندرج هذا الموقف ضمن دينامية أوسع، حيث أشار السفير الأمريكي إلى مشاورات جارية تحت رعاية مشتركة بين واشنطن والأمم المتحدة لحل «نزاع مجمد منذ خمسين عاما».
ويظهر هذا التوصيف الزمني نفاد الصبر تجاه الوضع القائم، ويمهد الطريق لتحول هيكلي في دور «المينورسو» نحو مهام أكثر سياسية، تركز على الدعم الدبلوماسي والتنسيق.
تأسست البعثة عام 1991 لتنظيم استفتاء لتقرير المصير، وهي اليوم تبدو منفصلة عن الواقع السياسي الميداني؛ إذ أضحى مشروع الاستفتاء متجاوزا، بينما صار مخطط الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة التي تكرسها قرارات مجلس الأمن، وآخرها القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.
وبينما مدد ذلك القرار ولاية البعثة لعام إضافي، فإنه وضع ركائز لإعادة تقييم شاملة للمهمة. ويكرس النص دعما صريحا للمقترح المغربي باعتباره الإطار الوحيد ذا المصداقية للحل، مما يقصي الخيارات غير الواقعية ويفتح الباب أمام إعادة تعريف أهداف البعثة ووسائل عملها. كما جسد عدم مشاركة الجزائر في التصويت، وهي عضو غير دائم بالمجلس، عزلتها المتزايدة أمام هذه الدينامية الدولية.
إقرأ أيضا : بعثة المينورسو: دقت ساعة الإصلاح الشامل
لا تعد تصريحات والتز حدثا معزولا، بل امتداد لاستراتيجية واضحة؛ ففي مارس الماضي، أعلن عن مراجعة استراتيجية للبعثة ضمن إصلاح شامل لعمليات حفظ السلام، مؤكدا أن مهمة استمرت خمسة عقود يجب أن تخضع للتقييم، في إشارة إلى الرغبة الأمريكية في الخروج من منطق إدارة الوضع الراهن.
وتكتسب هذه التصريحات طابعا استثنائيا نظرا لتوقيتها؛ إذ يناقش مجلس الأمن ملف الصحراء نهاية أبريل الجاري، مع إدراج مراجعة ولاية البعثة ضمن برنامج العمل.
ويتضمن الجدول الزمني محطتين بارزتين: الأولى في 24 أبريل عبر مشاورات مغلقة يقدم خلالها رئيس البعثة، ألكسندر إيفانكو، والمبعوث الشخصي ستيفان دي ميستورا، إحاطتيهما. والثانية في 30 أبريل، حيث سيعرض الأمين العام، أنطونيو غوتيريش، «المراجعة الاستراتيجية» للمينورسو، وهي الخطوة التي ستعيد صياغة دور البعثة بناء على التوجهات السياسية الجديدة وحقائق الميدان.
وسبقت هذه الخطوات تحركات دبلوماسية مكثفة من واشنطن، شملت لقاءات مع مختلف الأطراف لتفعيل المسار السياسي. فمن استقبال وفد من «البوليساريو» في يناير لفتح قنوات حوار مباشرة، إلى زيارة مسعد بولس للجزائر ولقائه بالرئيس عبد المجيد تبون، تأكد الانخراط الأمريكي المباشر مع الجزائر بصفتها طرفا رئيسا في النزاع.
كما شكل اجتماع مدريد في فبراير، الذي ضم المغرب والجزائر وموريتانيا و«البوليساريو»، دفعة قوية لإحياء صيغة الحوار المتوقفة منذ 2019، مما وضع الجزائر أمام مسؤولياتها المباشرة.
تبدو الاستراتيجية الأمريكية أكثر وضوحا وتماسكا: فرض إطار تفاوضي يرتكز على الحكم الذاتي، مع تطويع الأدوات الأممية لتتماشى مع هذا الهدف. وقد عززت اللقاءات اللاحقة في واشنطن من صدقية المقترح المغربي وقابليته للتنفيذ.
وفي هذا السياق، تعمل تصريحات مايك والتز كمحفز يسرع وتيرة التغيير الجاري؛ فمن خلال ربط تجديد الولاية بتوجه سياسي واضح، ترسم واشنطن معالم النقاشات المقبلة في مجلس الأمن.
الأكيد أن «المينورسو» بعد 30 أبريل لن تكون كما كانت قبله.
